التوقيت الأحد، 05 أبريل 2026
التوقيت 12:32 م , بتوقيت القاهرة

محسن محي الدين.. "حدوتة حتتنا" الضاله

محسن محي الدين
محسن محي الدين

"تحت النطرة حركة خطرة.. ونروح بعيد في ألذ مكان" كم تنطبق تلك الجملة على رحلة الشقي الموهوب خفيف الروح والطلة، محسن محي الدين "حركة خطرة" كانت من القدر تحوله من مجرد طفل عادي عابر، يمر يوميا من بيته إلى المدرسة، إلى بذرة موهبة قال عنها يوسف شاهين "أحسن موهبة أنا شوفتها في حياتي".


ها اركب حصان ماركة طرازان


محسن محي الدين


محسن محي الدين الذي ولد في 1 نوفمبر عام 1959 بالقاهرة، كان يسير بخطى تتشابه كثيرا مع خطى أبطال الأساطير الإغريقية، التي خلدها الفنانون في المسرحيات والروايات والمعابد، قدر يسوق الطفل، ليصبح عليه أن يجهز جدولين يوميا، جدول حصصه الدراسية، وجدول للفقرات والمسلسلات التي سيظهر فيها.


وكأسطورة إغريقية يحمله القدر إلى يوسف شاهين، تماما كـ "أخيل" حينما ألقوه في النهر المقدس فصار منيعا عدا كعبيه، صار محسن محي الدين نجما، ما قبل شاهين كان محسن فنانا شابا ينبئ بممثل جيد، يظهر في دور في فيلم "عالم عيال عيال" وأخر في فيلم "أفواه وأرانب"، أو فيلم "على بيه مظهر"، كل هذه كانت خطوات تقوده لمصيره اللامع، تقوده إلى دنيا شاهين.



ندخل إلى العوالم من بابين، إما من الباب الصغير حيث نسير طريقا طويلا نتمنى فيه في كل لحظة أن يحالفنا الحظ ويصافحنا التوفيق، أو من الباب الكبير حيث يصير الحظ بساط نخطو عليه والتوفيق دليل يقودنا، القدر فقط هو من يحدد من يدخل من الباب الكبير، لذلك كان محسن محي الدين من أصحاب هذا الباب، يختاره شاهين في دور "شاهين نفسه" أو كما اسماه هو "يحيى"، في فيلمه "إسكندرية ليه؟" عام 1979، ليتحول ذلك الفتى "مشروع الممثل الجيد" لشيء ليس له وصف، يتحول فعليا "لمحسن محي الدين".


مع شاهين، يغني ويرقص ويمثل، يبدع ويتفوق على نفسه وعلى أقرانه، يلتهم الشاشة التهاما من العمالقة، يلتهمها من فريد شوقي ومحسنة توفيق ونجلاء فتحي وعزت العلايلي وعبدالعزيز مخيون وأحمد عبد الوارث، لا ينافسه في تلك الوليمة إلا أحمد زكي ومحمود المليجي، يتفوق على أقرانه عبدالله محمود وأحمد سلامة وليلى حمادة، كصاروخ انطلق من قاعدته لا يلحق به أحد، مخترقا مجال الجاذبية يحلق، يبتعد كثيرا، فيجبرنا أن نرفع رؤوسنا لأعلى، علنا نراه، وحده شاهين كان يحني راسه ويخفى دمعتين، الأن وجد ضلته.


محسن محي الدين


ولكن هل يجلس محسن محي الدين في المنزل حتى يقدم شاهين فيلمه القادم؟ بالطبع لا، شاهين مخرج يقدم أفلامه حينما يكتمل الفيلم في رأسه أولا، فلن يقدم فيلم كل عام، شاهين ليس موظف في السينما، عليه أن يوقع بالحضور سنويا، بالطلع انطلق محسن محي الدين أسرع من ذي قبل، أنطلق في التلفزيون والسينما والمسرح أيضا، وليس أي مسرح، بل أمام فؤاد المهندس، والمعادل الأنثوي له شيريهان في "سك على بناتك".


ورغم كل هذه الأفلام التي سبقت ظهوره في فيلم حدوتة مصرية عام 1981، لم يلمع محسن محي الدين مثلما لمع مع شاهين في اسكندرية ليه؟ وبعدها حدوتة مصرية، وكأن شاهين هو صاحب الامتياز الوحيد في إخراج كل طاقة هذه الأسطورة، هو مكتشف الكنز وصاحبه، بدونه يتحول محسن محي الدين لمجرد ممثل جيد، المعادلة بدون شاهين ناقصة دائما.


هايب لكن طمعان


محسن محي الدين


حتى في الفيلم الذي لم يكن يحمل من شاهين الكثير "الوداع يا بونابرت" كان محسن حاضرا بقوة امام الجميع، سواء مصريين او فرنسين، زر الطاقة في روح محسن وحدها أصابع شاهين هي من تستطيع الوصول له، حتى وغن كان الفيلم أقل من شاهين او مختلف عنه، ولكنه ببساطة يعرف جيدا كيف يتحد مع محسن ويخرج منه كل ما يريد وأفضل.


لتأتي النهاية، واحد من أجمل وأحلى أدواره في حياته الفنية كلها سواء مع شاهين أو غيره، قدمه عام 1986، وكانت أمامه سقطة شاهين الأكبر "داليدا"، يخلق شاهين "حدوتة" حب بين "عوكا" و"صديقة"، لنشتعل نحن حينما نشاهدها، نشتعل من هذا الفوضوي البوهيمي، صاحب القردة، الذي يهوى سيدة تفوقه عمرًا، وكأن شاهين يقدم أسطورة أوديب بطريقته، أو كأنه يتنبأ بالقادم.


عوكا الذي ملئ الفيلم بهجة وفلسفة خاصة للغاية عن الحب وطرقه، ومارس هوايته في التهام الجميع، أخرج كل طاقته تقريبا في هذا الفيلم، كأنها رسالة وداع، يلقيها في وجهنا، ويخرج باختياره من العالم الذي صار فيه أسطورة، كـ "أوديب الملك" الذي فقأ عينيه، فصار كفيفا، أو "هرقل العملاق" الذي قتل أولاده وأصابه الجنون، محسن محي الدين يصر على السير على خطى الإغريق الأساطير، ولكن مصر ليست الأوليمب، وزيوس لم تنتهي حيله.


محسن محي الدين وداليدا


"ما احنا نتعقد من الخايب، ونهرب من الدايب؟، ونحلم بروح امه اللي لا له لا في التور ولا في الطحين، واللي يعزنا بحق وحقيق، نقوله عاوز كام؟" هذا ما فعله محسن محي الدين حرفيا، حلم بـ "للي لا له لا في التور ولا في الطحين"، هو محسن ذلك المخرج الخائب الذي لا يملك الثور، ولا يملك "الطحين"، ليس تجنى عليه ولكن تجاربه كمخرج أثبتت أن مجرد دراسته في معهد السينما قسم إخراج لم تكن كافية لتصنع منه مخرج، هرب من "الدايب" صاحب الكنز ومكتشفه، والوحيد القادر على استخراج جواهره يوسف شاهين، فصار كما قال، " هايب لكن طمعان".


ولكن من قال إن "حدوتة حتتنا" انتهت باليوم السادس، بل كانت النهاية تلك في تغير مسار شاهين السينمائي، ليقدم فيلمه "اسكندرية كمان وكمان، لتبدأ مرحلة جديدة لشاهين، مرحلة ابسط من سابقتها، ليس فيها نفس السينما التي اعتدناها من شاهين، وكأن جزء من ضياء الأستاذ قد سرق منه، انتقم ممن سرقوا منه هذا الضياء بفيلمه اسكندرية كمان وكمان، "اللذة في العذاب" هكذا قالها، صنع فيلما ليجلد ذاته بحبه لمحسن محي الدين، " لو صحيح ده مش إله، كنت أول عين يا ناس شافت عيوبه" ليتحول حدوتة حتتنا إلى الابن الضال، الذي لم يعود.