التوقيت الأحد، 05 أبريل 2026
التوقيت 05:37 م , بتوقيت القاهرة

سحر شاهين"2"| حينما تجاوز عزت العلايلي حدود المستحيل

عزت العلايلي الاختيار
عزت العلايلي الاختيار

شهاب يتوهج فجأة ليخطف الأبصار والعيون، قدراته الفنية في دور واحد تفوقت على كل الأدوار التي قدمها بعد ذلك طوال تاريخه الفني، شهاب ينقسم إلى توأم محمود وسيد، نفحة من سحر شاهين تجسدت في موهبة عزت العلايلي، ليظهر بشكل مغاير ومختلف كليا وجزئيا مع شاهين دون غيره.


ليس انتقاصا من موهبة بحجم الفنان الكبير "عزت العلايلي" ان يكون لمع أكثر مع شاهين تحديدا في فيلم الاختيار، ليس نكرانا لأدوار عظيمة قدمها "العلايلي" في مسيرته مثل أدواره في أفلام "غرباء، زائر الفجر، الطوق والاسورة، المواطن مصري، أهل القمة، المجهول" وغيرها من الأدوار، لكن العلايلي في الاختيار لا يقارن ولا يقترب منه أي دور.


حينما يكون مطلوبا من ممثل أن يقدم دورا يحتوي على صراعات نفسية متداخلة ومتشابكة فهو هنا أمام تحدي صعب ربما أصعب تحدي يمكن أن يقابله، ولكن حينما يتم إسناد له دورين في عمل واحد يجسد فيه شخصيتين كل شخصية تحمل بداخلها من الصراعات وأزمات وتحولات كفيلة بإخافة أي ممثل مهما كانت قدراته فكيف أقدم عليها العلايلي في فيلم الاختيار؟


عزت العلايلي الاختيار


أعتقد أن موافقة العلايلي على الدور لم تأت فقط لأنه استفز ملكاته الفنية، بل أيضا لأنه يعرف أن شاهين مختلف، يعرف ان شاهين حينما يختار ممثلا لدور فهو يعرف كيف يوظفه ويتعامل معه، واعتقد ان شاهين كان بروح وعقل العلايلي خطوة بخطوة وجملة بجملة.


العلايلي هنا يعبر حاجز اعتقد الكثير من فلاسفة ومنظرين فن التمثيل أن يستحيل العبور، العلايلي في الاختيار يتماهى مع الشخصيتين كلا على حدة، كان سحر شاهين جعل العلايلي ينقسم على نفسه فيصبح أثنين هو الأخر، محمود بسماحته وابتسامته وجنونه وحبه للحياة وفلسفته في الحب والحرية.


بينما يتحول عزت العلايلي من محمود إلى سيد في النقلة من مشهد لأخر، بصرامته الأشبه بصرامة الرهبان في المدارس الكاثوليكية، وجديته ونظرته المتحدية راسبوتينية الطابع والشكل، وخوفه على مستقبله وحرصه وتقيده، وسجنه النفسي والعقلي.


ولكن من قال إن التحدي انتهى عند هذا الحد، شاهين يرفع سقف التحدي، ليجل أحد الأخوين يمثل أنه الاخر بل يجب على كل المحيطين به وعلينا نحن المشاهدين ألا نكتشف هذا إلى متأخرا جدا، لذلك يمكن القول ان شاهين قد ضغط على "دواسة" موهبة العلايلي وطاقته الفنية لأخرها، ليجعله يعبر معه هذا الحاجز المنيع، وعبره الاثنان بالفعل.


شاهين في هذا الفيلم تحديدا ربما كان في واحدة من أفضل حالاته في التعامل مع الكاميرا والحديث عن المسكوت عنه، فمثلا في اللقطة في الميناء يأتي بشخصية "شريفة" سعاد حسني لتقف جنب أحد صناديق الشحن ومكتوب على الصندوق " سهل الكسر" بيانا صريحا دون حديث أو فذلكة سينمائية عن شخصية شريفة، تخيل ان تختصر حديث قد يدوم لمدة دقائق على الشاشة لنعرف أن شريفة سهلة الكسر في لقطة.


سعاد حسني وعزت العلايلي


نفس الأمر في مشهد التعريف، حينما يعرف محمود الحرية والحب والبحر والحقيقة، فلكل اسم تعريفه البصري الذي ربما يكون مخالفا للتعرف المنطوق على الشاشة، كأن يضع وجه محمود بين عارضتي من عوارض الدفة، أو يسجن محمود خلف "مشربية" مكتوب تحت منها رقم، شاهين هنا يسخر الصورة حرفيا للحديث عن المسكوت عنه.


والعودة للعلايلي مرة أخرى، وبنظرة سريعة على اداءه في الاختيار، نجد أن العلايلي دخل إلى الشخصيتين من نفس المدخل، وهو نظرات العين وتعبيرات الوجه، ربما في مشاهد قليلة فلت منه اللجام، مثل مشهد الختام حينما تحول حرفيا لطفل صغير يسير مع امه، أو في سيارة الإسعاف حينما كان يحاول الخلاص من قيوده، ولكن العلايلي تعامل في غيرها من المشاهد بذكاء وتركيز غير مسبوق.


عزت العلايلي


وكأنما كان العلايلي يضع مع ملابس كل شخصية ريأكشناتها وعقدتها وصراعتها، فحينما يرتدي ملابس محمود الفضفاضة الزاهية أحيانا او الحزينة أحيانا أخرى، يرتدي معها وجه محمود المحبب للعين والروح، وحينما يرتدي ملابس الرهبان التي يرتديها سيد الخانقة المتكلفة يرتدي معها نظرته وقسمات وجهه ولسانه المهادن المتسلق أحيانا والسلطوي أحيانا أخرى.


مقارنة أي دور قدمه العلايلي بعد ذلك بدوريه في فيلم الاختيار هي مقارنة مجحفة وظالمة للغاية، فمهما بلغ العلايلي من قدرة وتقمص وسيطرة على أدواته كممثل، لن يصل للحد الذي وصله في الاختيار، حتى في تجربتيه التاليتين مع شاهين في الناس والنيل أو حدوته مصرية، كان العلايلي يلعب في منطقة الإجادة، بينما في الاختيار ذهب به شاهين إلى منطقة المستحيل نفسها، فقط بنفحة من سحر شاهين.