سوق العطارين.. من التاريخ السري للإسكندرية


كتب- أحمد الفخراني:
تصوير- محمد غنيم، سمر علي
من أين جئنا يا جدتي؟
قالت الحكاءة البارعة: من المغرب، ركب جدك وأشقاؤه سفينة ضخمة هربا من حاكم ظالم، كانت السفينة بلا ربان، سفينة سحرية بها دفة تشبه اليد، اسمها يد القدر تقرأ قلوب المسافرين عليها، على قدر قلوبهم يكون قدرهم، وكان قدر جدك الإسكندرية.
عندما نزلت إلى العطارين للكتابة عنها عرفت أن جدي لم يقدم من المغرب بل من المنصورة، هربا من ظلم امرأة أب، جاء إلى سوق العطارين، فرصة أولاد البلد الوحيدة للرزق في شارع يملكه الأجانب، تدعى بياصة الشوام، سوق منفصل عن العطارين لتجارة الملابس المستعملة، بدأ غريبا وجميلا وانتهى غريبا وموصوما، من هنا بدأ جدي، خرج إلى الشارع الرئيس امتلك محلاته ليصير ثريا، ورحل الأجانب، أما الفقر فظل مختبئا في الأزقة والبيوت الضيقة.
إسكندرية، لم تعد مدينة متعددة الثقافات، حكاياتها السحرية، لم تعد حقيقية، كحكاية السفينة السحرية القادمة من المغرب.
فى البدء ..كانت البياصة
وأنا أبحث عن سيرة العطارين، حصلت على الرواية الأصلية الحقيقية غير السحرية لجدي، والتي تروي معها قصة العطارين، جاء مع شقيقه وعمره 15 عاما، بدأ في بيع الملابس القديمة في سوق العطارين مع أخيه، ذكاؤهما وطموحهما، جعلاهما يتعاملان مع الجيش، ليربحا كثيرا من بيع البطاطين والأفرولات والملابس العسكرية للجيش المصري في الخمسينات ليشتريا دكانا فى السوق، بنفس الطريقة التي هي خليط من الجهد وفهلوة اقتناص الرزق، نجح المصريون في الشارع الذي رحل منه الأجانب ليخرجوا من ظلام الأزقة إلى نور الشارع الرئيس للعطارين.
لم يكن بالسوق دكاكين في البداية، كان البائعون يفرشون بضاعاتهم على طاولات مرصوصة ومنظمة، كان السوق في البداية للباعة الشوام الذين انتقلوا من شارع الليثي إلى هنا، ثم تركوه لأولاد البلد، ولازال الشارع يحتفظ باسم ميدان السوريين أو بياصة الشوام، وكلمة "بياصة" كلمة إيطالية الأصل تعني الميدان.
كان السوق في الصباح لبيع الملابس المستعملة، أما في المساء فكان يتحول لبهجة بلا حدود على يد مقهى حبيب السوري وإلياس اللبناني "ملك السمان" الذي جاءت عائلته إلى مصر هربا من فتن الطوائف المسيحية في لبنان وقتها.
أبناء البهجة
في المغرب يجمع كل صاحب بضاعة بضاعته ويضعها في "المغازة"، المكان المخصص لحفظ البضاعة والطاولات مقابل أجرة، ليبدأ أجمل ماعرفته العطارين ، يقوم إلياس ملك السمان برش السوق وكنسه، كان يؤجر لذلك كناسين مخصوصين، ثم تفرد طاولات الطعام، وتبدأ موسيقى عازفين سوريين على مقهى حبيب بالعزف، يبدأ دخان السمان المشوي في التصاعد ليملأ سماء العطارين، كانوا يحبونه، فذلك الدخان كان يجلب معه صباح وفريد الأطرش وفريد شوقي ومحمود المليجي وقناصل الدول الأجنبية، وأعضاء مجلس قيادة الثورة ونجوم مجتمع كانوا قادرين على الاحتفاء بالحياة.
إلياس نفسه كان يترك لأطفال السوق ساعتين قبل أن تبدأ عملية شوي السمان، للعب الكرة بعد أن ينظف لهم السوق ويرشه بالماء، الصباح للعمل والمساء للبهجة.
تغير كل هذا، أصبح المكان موحشا وكئيبا وعشوائيا، استبدلوا العجلات بأكشاك قبيحة مثبتة في الأرض، أكشاك تستعمل في المساء للدعارة وفي النهار لبيع المخدرات جهرا.
تلك الأكشاك هي قلب ميدان السوريين بينما على حوافه محلات "الموبيليا" الكبيرة التي تمتلكها عائلة صعيدية تدعى العرابة التي تنافس عائلة أصغر عددا وعتادا تدعى عائلة بني فيز القادمة من أسيوط.
امتلك العرابة مقهى حبيب والأكشاك التي نصفها للرزق الحلال ونصفها للرزق الحرام .
الصعايدة وصلوا
لم يكن الصعايدة يملكون شبرا في سوق العطارين، جاؤوا سريحة صغار قبل 40 عاما، ولم يتخط عددهم العشرات، كان وقتها السوق قد استتب لأولاد البلد من الإسكندرانية، كانوا جدعان السوق ورجاله الذين يأتمر السوق كله بأمرهم كـ"زيزو"و"أحمد الفيل" و"إبراهيم مفتاح" كانوا يسخرون الصعايدة ويسخرون منهم أيضا، كما روى لى عم حسن رياض بائع الملابس القديمة "كان من الطبيعي أن تجد الصعيدي يلبس نصف بطيخة على رأسه كى يسخر منه ابن البلد. سألته: لكن أين هم الآن؟ ، لا أرى سوى صعايدة في امتداد السوق قال "اتسرسبوا إلى هنا واحدا تلو الآخر، ثم جاؤوا بعائلاتهم، ابن البلد نزيه، لكن الصعايدة القادمين من الفقر في بلادهم ، يأتون وعينيهم على امتلاك أرض وعمارات، يغمسوا لقمتهم بمية لكن الأرض والبناء أهم، هكذا امتلكوا مقاليد سوق العطارين من أولاد البلد، ولى زمن الإسكندرانية الجدعان كانوا موقفينهم عند حدهم".
لا سبب للشوفينية السكندرية، لا يوجد سبب مقنع، سوى الأسطورة والتاريخ.
كيف تقتل عبد العزيز محمود؟
كلهم تجار، لم يعترفوا أبدا بأن يهوى أحد شيئا خارج فكرة التجارة، الربح الممسوك باليد، ومنهم فتحي ذلك الرجل الذي شاركه جدي، استوقفتنى حكاية فتحى، ذلك الرجل الممسوس –على حد تعبيرهم –بعزف العود والغناء.
"كان يملك صوتا جميلا" يقول أحد أحفاده، كان عزف العود عنده وجلسات الفنانين غية في الدم، لذا أهمل التجارة، كان يملك صوتا يشبه عبد العزيز محمود، وهو ماجعل صوته يمثل فتنة لأهل الحي، لكنه لم يكن ذا قيمة عندما ذهب فتحي لإذاعة الشرق الأوسط، رفضوه لأن صوته يشبه صوت عبد العزيز محمود ، والحياة لاتحتمل صوتين متشابهين، انكسر قلب فتحي عاشق العود، صفى جدي تجارته معه لأنه لم يفهم أهمية قلب فتحي الممسوس بالفن، عمل فتحي بعد ذلك بائع تذاكر في السينما، ثم كشاف سينما حتى توفي، بينما ارتفع نجم جدي وأبنائه من بعده، لم يخلق فتحي ليكون من أبناء العطارين، لم يفهمه أحد، هنا مكان للتجار لا للمسوسين بحياة أنعم وأرق.
كلهن مثل جداتي، كلهن مثل أمهاتي.. لكن لا أحد منهم مثل أبي، لا أحد في العطارين أب لأحد، الابن هناك مشروع خاص جدا، توريث المهنة منتشر في العطارين من محلات البقالة إلى ستوديو التصوير الفقير مرورا بالمقاهي ومحلات الساعات والجزارة والخردوات والخياطة والأنتيكات والموبيليا، لا فرق هناك بين محل ظل فقيرا ومحل صار كبيرا، ونادرا ماتجد محلا هناك لم يرثه صاحبه عن جده أو أبيه.
السبب في ذلك أنهم بالفعل صعدوا من الصفر، المميز فيهم أن داخلهم ذوقا وشيئا كبيرا من الحضارة، فعندما يصير الفقير غنيا، لاتصبح اختياراته فجة، سواء على مستوى ملبسه أو سيارته أو أساس بيته، أهل العطارين يتميزون بأناقة الاختيار وبساطته، لن يفاجئك أبدا بما يجرح عينك مهما كان مستواه الاجتماعي أو التعليمي، الجيل الثانى خرج من العطارين إلى سيدى جابر وكامب شيزار وجليم، لكن لم ينقل تجارته أبدا خارج العطارين"هنا رائحة الرزق، إنها ملتصقة بالشارع، كما تلتصق الرائحة بجسد الانسان".
ذكاء أبناء السوق القدامى جعلهم يعرفون مع ارتفاع مستواهم المادى ضرورة ارتفاع واجهاتهم الاجتماعية، شرط الاحتفاظ بما أسسوه، فالأب يدفع بأحد أبنائه إلى التعليم إذا ما ضمن وجود ابن آخر معه في تجارته، يفضلون الصيدلة من الكليات العلمية –كأبى- لارتباطها بفكرة التجارة، أو كلية التجارة من الكليات النظرية لمن لايحرز مجموعا لارتباطها بفكرة المحاسبة، لـ"يمسك حسابات المحل"، أما البنات فأغلبهن يتخرجن مدرسات. لكن تظل الأولوية كلها والمجد للذي استمر في العمل مع أبيه، لأنه حافظ مملكته وسره.
استفاد من خرجوا إلى الشارع الرئيسى من تغيرات بياصة الشوام التي امتلكها الصعايدة، ولم يعد فيها لأبناء البلد مكانا لذا ثبتوا أماكنهم عن طريق أولادهم جيدا، بعد أن فقدوا البياصة التي تواجه مصيرا مجهولا ومشوشا.
"حكاية ملك السمان المختبىء من غدر الزمان"
البياصة التي أصبحت مستعمرة صعايدة، لم يعد بها سوى أثرين لأولاد البلد، مقهى قدورة الذي ينافس مقهى الزعيم الذي يمتلكه أبناء بني فايز، ومطعم السمان الذي أسسه إلياس اللبناني، ثم انتقل من بعده إلى ابنه جورج الذى تعرض لأزمة مالية في منتصف الستينات –يقولون أنها هربا من فضيحة اختلاس –ليسافر جورج إلى بيروت بعد أن باع محله لـ"السمرة" ليتحول من عامل في المطعم إلى ملك السمان.
السمرة ابن عائلة شهيرة هناك تدعى عائلة شحاتة عمل أغلبها مع إلياس، كفرض على الياس، لم يكن سمرة الأكبر في عائلة شحاتة، لكنه كان الأوفر حظا من اخوته "بمبوزيا والبيضة وزوئة"، أكبرهم كان المتولي شحاتة، وكان المتولى يقسم السوق مع قدورة فتوات السوق، نصف السوق لمتولي، والآخر لقدورة. كانوا يستعيضون عن "الإتاوة" بسقاية العاملين على الفرش شايا "عافية واقتدار"، لايقل نصيب الفرشة الواحدة عن خمس أكواب من الشاي، لم يكن فى مقدور أحد أن يمتنع عن شرب شاى شحاتة وقدورة، الذي كان يوضع على ترابيزة الفرش قبل أن ينتهي صاحبها من الشاى الذي بين يديه، ولم يكن شحاتة يستطيع أن يسقي شايا في المنطقة التي تتبع قدورة و العكس. صار قدورة بعد هذا صاحب مقهى ورثه ابنه ثم حفيده ولازال مقهى قدورة يشتهر بتجمع مصلحى الساعات السريحة عنده، يعملون ويشربون الشاى والنارجيلة –دون إتاوة –تلك المرة.
إلياس اللبناني بحس التجار الشوام الذكي، استقطب عائلة شحاتة من باب توفير الحماية له، فعملوا معه فترة، وورثهم جورج ابنه عند عودة إلياس إلى لبنان، صار السمرة أصغر أبناء شحاتة هو ملك السمان، المكان الذى كان جاذبا لصفوة نجوم المجتمع، لكن الظروف تغيرت ، نظرا لتغير البياصة التي صارت موطنا للدعارة والمخدرات، أصبح المطعم غريبا عن روح السوق.
سمرة ملك السمان ، لكنه يبدو ملكا معزولا ومحاصرا، يغطي مطعمه بستارة تفصله عن السوق، لم يعد السوق ملكا للإسكندرانية، لايخالط أو يجالس أحدا، يقضي وقته في مكتب منفصل عن كل شيء، يبدو خائفا، ربما من الأعين التى تعتقد أن صعوده كان ضربة حظ، ولأن لا نصرة له، باب مكتبه لا يرحب بالغرباء، ضيق وعتبته عليها خشبة عالية تمنع الزائرين من الدخول بسهولة.
مضيت من العطارين بعد أن قرأت الفاتحة لجدي الذي نجا، ولعبد العزيز محمود الذي احترق بمس المزيكا.