القاهرة 21°
دوت مصر

يوسف والضغينة

تبدأ القصة برؤيا يرى فيها يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا ساجدين له. يتوجس أبيه من الرؤيا ويطلب منه ألا يقصها على إخوته فيكيدوا له. لكن نصيحة الأب لا تمنع كيد الإخوة. احتال إخوة يوسف على الأب حتى أقنعوه أن يرسله معهم. وما إن خلوا به حتى ألقوه في بئر وعادوا لأبيهم بقميصه ملوثا بدم زيف.

ينجو يوسف من الموت ولكنه يُباع بضاعة. يشتريه عزيز مصر فينشأ في بيت الملك، ولكن ما إن يشب حتى تراوده امرأة العزيز عن نفسه وأمام القيل والقال يُلقى في السجن وينسوه حتى يحتاج الملك لمن يعبر رؤياه. يفتح تعبير الرؤيا أبواب الملك ليوسف ويجعله الملك على خزائن الأرض. وتنتهي القصة بلم شمله مع أمه وأبيه وأخوته ويرى رؤياه محققة.

في المعتاد يستخدم سكان هذا الجزء من العالم القصة السابقة لترسيخ معنيين. المعنى الأول سياسي كما موسى وفرعون يرسخ لفكرة المظلومية والتمكين. فيوسف خرج من السجن لكرسي الحكم (استخدمت أحد الطوائف السياسية هذا التعبيير للترويج لأحد قادتها ووصفته بأنه يوسف العصر الذي خرج من السجن ليحكم مصر). والمعنى الثاني هو غواية الأنثى، وفيه يتم التركيز على محاولة امرأة العزيز الإيقاع بيوسف في "الخطيئة" ورفض يوسف وإبراز آية " إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ".

لكن دروس قصة يوسف لا تتوقف عند المعنى الساذج للمظلومية والتمكين ولا التحذير السطحي من الغواية. تحمل قصة يوسف الكثير من الدروس عن الصبر والمثابرة والأهم التعامل مع الضغينة.

عندما نجا يوسف من البئر لم يخصص أي من وقته للتفكير فيما فعله أخوته، لم يسع يوسف لا للانتقام ولا حتى العتاب واللوم. عاش يوسف في قصر العزيز كأنه بلا ماضٍ حتى ألقي به في السجن. وفي السجن لم نجده معترضًا على الظلم (ربما لأن سجنه كان استجابة لدعوته). وحتى بعد أن منَّ الله عليه بالحرية، ورغم أنه كان قد مُكن له في الأرض لم نجده لا مهووسًا بالانتقام ممن تسبب في سجنه ولا مهتمًا بمن ألقوا به في البئر. فقط حينما جاء إخوته لمصر طلبًا للغلال تحرك يوسف، واحتال عليهم حتى يأتي بأخيه، ولما دبر حتى يبدو أخوه بنيامين سارقًا فيبقيه علق أحد إخوته " إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ" وكان رد فعل يوسف الوحيد على هذا الإتهام هو أن أسرها في نفسه، رغم أنه كان في موقف يستطيع فيه أن يبطش بأخوته لكل ما فعلوا به وليس فقط لهذا التعليق.

ولما عاد إليه إخوته طالبين المساعدة لم ينكرهم واكتفى بوقع إخبارهم بهويته. قال "لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ" وشاهد رؤياه تتحقق. ربما لو انشغل يوسف بضغينة إلقائه في البئر لمات أثناء محاولته الانتقام وربما لو انشغل بضيغنة إلقائه في السجن لما وصل لحكم خزائن الأرض. فالفرق الوحيد بين يوسف وإخوته الساجدين له هو أنهم تبعوا الضغينة فكادوا له، لم ينفعهم كيدهم ولم تزيدهم ضغينتهم إلا شقاء.

csr