التوقيت الإثنين، 10 أغسطس 2020
التوقيت 01:32 ص , بتوقيت القاهرة

هي عالماني يعني ملحد يا أستاذ مجدي الجلاد؟

أراد منافس للأستاذ أحمد لطفي السيد أن يوقع به في انتخابات في النصف الأول من القرن العشرين. فأشاع بين أهل الدائرة أن الأستاذ أحمد لطفي السيد "ديمقراطي"، تخلى عن الإسلام وتبنى الديمقراطية. وقال لهم إن الديمقراطية كفر. وحين زار الأديبُ جمهور الدائرة سألوه: ألا صحيح إنت ديمقراطي يا أستاذ؟

ورد الأستاذ: نعم.

تلك إحدى الحكايات المتكررة في الصحافة المصرية. المشتغلون بالثقافة والسياسة في مصر لا يملون تكرارها. ثم يلحقونها بتعليق مثل: استغل المنافس الجهل المتفشي في مصر وقتها، والذي يقرن بين الديمقراطية والكفر، وأوقع بالسياسي المثقف أحمد لطفي السيد.

وبالطبيعة، كانت الحكاية أول ما ورد على ذهني وأنا أقرأ هذا المانشيت الغريب على جريدة الوطن، الذي يصف أناسا يحاولون تأسيس "الحزب العلماني المصري" بأنهم ملحدون. وقلت لنفسي إن "الجهل" الذي يتحدث عنه المشتغلون بالثقافة والإعلام أقرب إليهم مما يظنون. فهم ناشروه ومروجوه. قد نلتمس العذر لمن وصفوا الديمقراطية بالكفر في بداية القرن العشرين. لكن من أين نلتمس عذرا لمن يصف العالمانية بالإلحاد في القرن الواحد والعشرين.

العقيدة الدينية أمر داخلي، فردي. أما العالمانية فتتحدث عن السياسة والحكم والمجتمع. العالمانية هي الفصل بين مؤسسات الحكم والدين. فهي كما تحمي السياسة من سيطرة رجال الدين، تحمي الدين من الاستخدام السياسي. تحمي المؤمنين بعقيدة ما من أن يفرض الساسة عليهم عقيدة أخرى، وأحكام عقيدة أخرى.

بل أمس فقط، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي في حوار مع صحيفة الموندو الإسبانية ما نصه: "الناس يظنون أن الدولة العالمانية دولة معادية للدين، وما أردت قوله في خطابي أن الدين يجب أن يكون ديناميكيا".

من أين جاء ظن الناس بأن العالمانية معادية للدين؟ نعم. من صحافة وصحافيين ينشرون هذا الهراء على صدر الصفحة الأولى ويسمونها انفرادا، بل ويفردون لها صفحة داخلية كاملة يحرضون فيها على الملحدين.

يا أستاذ مجدي الجلاد أنا مصدوم، مايصحش. هذه وشاية بالقتل والأذى. أنت نفسك تعرضت لاتهامات بعالمانيتك في برنامج تليفزيوني من متصل إخواني. في حادثة أوردها أستاذ جابر عصفور في مقال له، ومستنكرا على الإسلامجية هذا السلوك التحريضي. عيب جريدتك تمارس نفس ممارسات المتطرفين. عيب، دا حضرتك بتعمل برنامج اسمه "لازم نفهم". طيب ما تساعدنا وتفهمنا وتنورنا كده.

جريدتك بهذا الشكل لا تختلف كثيرا عمن أشاعوا قديما أن الديمقراطية كفر. رغم أن بيننا وبينهم مئة عام. ولقد دفع أناس أرواحهم وشوهت سمعتهم لكي تتقبل المجتمعات المسلمة لفظ ديمقراطية. ودفعت المجتمعات نفسها كثيرا من رفاهيتها ورخائها وتراجع موقعها بين دول العالم، بسبب أناس يشيعون فيها مفاهيم خاطئة تشدهم إلى التخلف وبقاء الوضع القائم.

عيب بعد مية سنة تكون الصحافة المصرية بتقوم بنفس دور نشر الجهل اللي بترجع تنتقده وتعاني منه.

ونعم. الفصل بين مؤسسات الحكم والدين لا بد منه. حتى لا يصدر حكم قضائي يضع الناس في مواجهة دينهم في أمر بعيد عنه كل البعد، كأمر "الإضراب عن العمل".

ونعم. الفصل بين مؤسسات الحكم والدين لا بد منه. حتى لا تخرج مناهجنا التعليمية كل هذا العدد من المتطرفين، الذين جعلوا الإسلام في العالم مرادفا للقتل والتدمير.

ونعم. الفصل بين مؤسسات الحكم والدين لا بد منه. حتى لا تخرج تشريعات تقنن التفرقة بين المواطنين المصريين.

ونعم. الفصل بين مؤسسات الحكم والدين لا بد منه، لكي يكون النقاش السياسي نقاشا في الإجراءات والوسائل والأهداف والإنجازات على الأرض، حول الاجتهادات البشرية في شؤون هذا العالم. وليس حول الأحكام الشرعية والأوامر السماوية والمصير في العالم الآخر.