فؤاد حدّاد.. يبكي الأراجوز ويتذكر شوارع زمان
كتب- محب جميل:
آمن فؤاد حداد بالتجديد في شكل القصيدة، إنه أبو القصيدة العامية. الذي أخذ من نهر الزجل عند بيرم التونسي، وراح يعزف قصائده الخاصة التي تغلّفها الروح الشعبية. استوعب الإيقاعات والجماليات المرتبطة بالشخصية المصرية، وأنتج وجبته الشعرية الخاصة.
في شعر فؤاد حداد روح الشارع، وبساطة الفلاح، والموسيقى الشعبية، فقد كان مؤمنًا بالتجديف عكس التيار، والابتعاد عن الإكليشيهات والقوالب الكلاسيكية الجاهزة. فنجده يضع "الطوبة" الأولى للتجريب الشعري، وهو فارس الخيل الذي ترك الضوء للأجيال اللاحقة، فالشعر عند فؤاد حداد أشبه بالماء والهواء، بعود النعناع في الشاي، والكرسي الخشب على أرصفة السيدة.
تتنوع الشخصيات المصرية في شعره، فشخصياته تنبع من الثقافة المصرية البسيطة، بلغة البسطاء يعطي حداد لكل كائن جماله وبهاءه الخاص.
الحلزونة
يا ترى حال الإنسان صعب وأيامه الحلوة بتدور زي الزمبلك ع الفاضي؟ فؤاد حداد في قصيدة الحلزونة يتفوق على نفسه. يثبت أن البساطة هي روح الكمال، في تجربة شعرية أشبه بالحدوتة، وكأنه الحكواتي. في مشهد بديع عن قصة حب، يصبح التناقض في الحال سيد الموقف.
فجأة لقينا الليل بيشتي نهار/ والأرض بلبل والسما فرجة/ وان كان محدش سامعه بيغني/ بين المراوح وقفت العربية/ الضي شعشع والشجر سلويت
ثم يعود حداد في مقطع آخر بروح الفكاهة مع القهر:
رديت كأني من بعيد مش سامع/ يا لابسة من تحت الودع تنورة/ معسلة زي القمر في الشمس/ يام الليالي الهاطلة المشمورة/ ياريتني أعمى أشربك باللمس/ ولا أشمك من بيار الأمس/ قالت حتقلب جد يا مسكين/ قلت لها أستاهل حدود الموت/ بكا شفايفي من شفايفكم
الأراجوز
يمزج فؤاد حداد الحزن بالحدوتة، وينتقد السلطة بطريقته الخاصة، في حكاية بسيطة عن الخفة والضحك وأمر الملك الذي لا يُعطى. بأزميل نجار ينحت أرجوزه الخاص، منمنم وبزعبوط، لكنه مجروح، والنكتة لا تجري في عروقه. يُضحك الآخرين ويبكي على حاله.
أنا عندي يا ولاد الحلال حدوتة/ أنا والدي هو اللي عاشها/ ولا حد قبلي نقشها في خبر ولا مخطوط/ كان والدي بالطبع زيي أراجوز ولكن حزايني.
في مقطع آخر من الأراجوز يُبرزْ حداد سطوة الملك وضريبة الأمل فيقول:
والدي الله يرحمه ما كنش ناقصه/ طلع سلاح أبيضاني وقطع رقبته بنفسه/ راح الولد في البكا وأنا والدي مات مبسوط/ أنا والدي مات مبسوط لأنه عكس أمر الملك/ أيام ما كان الملك ملك/ ومصروف الأمل مضغوط.
سحالي
لم يكن غريبًا أن تقف الفنانة "سيمون" في "يوم مرّ يوم حلو" أمام الكاميرا مع المخرج "خيري بشارة" لتنشد من كلمات حداد عن الحرية والجموح:
أنا حرة وأموت في الحرية/ ومزاجي أعمل سحلية/ أزحف ع الأرض وع الحيطة/ وأطلع وأنزل وأعمل زيطة/ وأضرب في الشمس طرمبيطة/ أنا حرة بديلي وبراسي/ وما حدش يكتم أنفاسي.
الكاوبوي
يقف حداد بكل عزمه ضد الجهل والظلم، والاستعمار وكل من يسرق الحلم. يرى الشاعر الكبير أن الزحف الثقافي أقوى من الزحف العسكري، تلك الثقافة القائمة على التوريد والتجارة والرأسمالية، علاقة قائمة بين التابع والمتبوع.
كاوبوي دينامو/ سايق غنمه/ علَّق يافطة بعرض الريف/ خلّي أَمِيرْكَا/ تسْتَعْمرِكا/ ست شريفة غرضها شريف.
ثم يسخر من الأفكار الوطنية في مقطع آخر:
خليك جنى وَلَد جنية/ شيل من راسك الوطنية/ نظف مخك أَلاّ تطخك/ خَلّيه خالي من التخَاريف/ كاوبوي دينامو
القطة بسبع أرواح
فؤاد حداد مسكون بالأسطورة الشعبية، العرب ببدل العنكبوت الضعيفة، والمرآة هنا تعكس الواقع الأليم الذي وصلوا إليه. لكن الأجمل هنا في أحد مقاطع "أيام العجب والموت" هو الإيقاع الموسيقي الذي يفرضه حداد بمهارة على النصّ. كأن التفعيلة هنا تأخذ مجرى النهر، تنطلق في سلاسة وبساطة.
الشعور بالإنسانية أليم/ والنجوم والعة لحد الصباح/ والمراية في ايدي زي الدوا/ نطت القطة بسبعة أرواح/ والشجر أكل الديابة وعوى/ والحريق بيراسل الأشباح/ بلغوا بيروت بأني حزين/ ديدبان حارس على جسدي/ في الحواري محطة بنزين/ والعرب لابسين بدل عنكبوت
البُنّ
كان لفؤاد حداد قدرة خاصة على التقاط اللحظات المؤثرة. تلك اللحظات البسيطة التي قد تشكل ركنا في القعدة المصرية، تأمله عندما يتحدث عن البن والكنكة، والطبلية والزير، إنها لحظات فريدة عن المدينة والأحلام التي تتدحرج بفعل الزمن. مفردات بسيطة يُشكل بها حداد الحيز المكاني، يجعل الجماد ينطق، والأيقونات البسيطة جغرافيا تؤرخ لأجيال.
القهوة تحبّ كنكة/ والكنكة تحب كنبة/ والكنبة تحب قعدة/ مبسوطة مربّـعة/ وكـنّـا أربـعة/ أنا وانتِ وأنا وانتِ/ وكنا عيون كتير/ وطبلـيّـة وزير/ ولا بنحبّ نبكي/ ولا بنعرف نطير/ أنا وانتِ وأنا وانتِ.
ثم يعود مرة أخرى لعبث المدينة ويقول:
باقول لك إيه باقول لك/ حاجيب حاجات قديمة/ قلبي كورة شراب/ نلعب ولا ما نلعب/ فرحت لنا المدينة/ وامبارح في التراب/ أنا وانتِ وأنا وانتِ.
فؤاد حداد لا يُمكنْ أن يتم تناوله في عدّة سطور، إنه أشعر شعراء العامية، هذا الرجل الذي بعدة تحولات أثرت في جغرافيته الشخصية ما بين الثقافة الدينية والتحول المجتمعي والافتتان بالجو الصوفي. فهو الذي قال عن نفسه:
أنا الأديب وأبو الأدبا .../اسمي بإذن الله خالد ... / وشعري مفرود الرقبة/ زي الألف ... / ورقم واحد ... / والساعة 6 في العتبة.