غادة السمان وغسان كنفاني..رسائل حب بلا تاريخ
كتبت- صفا إبراهيم:
كتلك القصص التي نقرأها، أو نشاهدها على شاشات السينما، يعترف غسان كنفاني بحبه للأديبة السورية غادة السمان، في رسالة قد تكون الأولى، فلا أحد يعلم، حتى غادة نفسها لا تتذكر متى كانت أول رسالة بالتحديد.. "إنني أحبك.. أحسها الآن عميقة أكثر من أي وقت مضى، أنا الذي قاومت الدموع ذات يوم، وزجرتها حين كنت أُجلد؛ أبكى بحرقة الآن".
مرت أيام وأشهر لم يتلق فيها غسان ردًّا من غادة على مشاعره تلك، لكن الرسائل لم تنقطع، فأرسل يعاتبها في إحداها قائلا: "عزيزتي غادة.. يلعن *****
ما الذي حدث؟ تكتبين لكل الناس إلا لي؟ اليوم في الطائرة أخبرني سليم اللوزي بأنك كتبت له أو لأمية، لم أعد أذكر، وقال لي كمال إنه تلقى رسالة منك.. وآخرون! فما الذي حدث؟ لا تريدين الكتابة لي؟ معلش!
ولكن انتبهي جيدًا لما تفعلين: ذلك سيزيدني تعلقًّا بك!"
وحينًا آخر كانت ترد غادة على كل الرسائل، حتى أن بعض تلك الرسائل كانت غريبة حقًّا.. كانت فارغة، لا تحتوي إلا على اسم غسان وتوقيع غادة!
"فكرت أن أملأ ذلك الفراغ. أن أكتب عنك لنفسي شيئًا. أن أجيب على هذا السؤال الذي طرحته ورقتك البيضاء في وجهي، ما الذي تريد أن تقوله لي؟ قلت سأكتب: "أحبك وأريد أن.." أريد ماذا؟ من دونك أنا في عبث، أعترف لك مثلما يعترف المحكوم أخيرًا بجريمة لم يرتكبها، وهو في طوق المشنقة كي يبرر لنفسه نهاية لا يريدها".
غسان كان يرفض دائمًا المحادثات الهاتفية مع غادة، حتى أنه كتب لها في إحدى الرسائل "لا تتحدثي معي بالهاتف.. اكتبي لي.. اكتبي لي كثيرًا، فأنا أحب رسائلك إلى حد التقديس، وسأحتفظ بها، وذات يوم سأعطيها لك.. إنها أجمل ما كتبت، وأكثرها صدقًا".
أما عن لقاءاته معها، فلم تخلُ هي الأخرى من الشد والجذب، ففي صباح 28 ديسمبر 1966، ذهب غسان بنفسه إلى بيت غادة، ليسلمها رسالة مشحونة بمشاعر الغيرة والغضب: "إن رجولتي لم تذل في حياتها، مثلما تذل في كل ليلة أقول لها فيها نومًا هنيئًا، ثم أدير ظهري وأمضي كأني قطعة خشب لا يسكنها عصب، وينزف جرح تلك الرجولة المهدورة حين أسمع وراء ظهري اصطفاق الباب: إن الأمر لا يعنيها!"
"لم يخطر ببالي أن ذلك سيزلزل غسان إلى هذا المدى، أم تراه خطر في بالي وتعمدته في اللاوعي؟ هل تعمدت إثارة شكه؟ ما زلت حتى اليوم لا أدري". بتلك الكلمات ترد غادة على غضبه منها!
فهل أحبت الأديبة السورية غسان كنفاني؟ ما نعرفه هو، كيف كان غسان في عيون غادة:
"نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني، وكان له وجه طفل وجسد عجوز، عينان من عسل، وغمازة طفل، لم يكن فيه من الخارج ما يشبه صورة البطل التقليدية، والأبطال الحقيقيون يشبهون الرجال العاديين رقة وحزنًا".. هكذا كانت ترى غادة غسان كنفاني بعد وفاته.. هكذا وصفته.
ولكن هو كيف كان يراها بعد قصة الحب تلك..
"أنا لم أفقد صوابي بكِ بعد، ولذلك فأنا الذي أعرف كم أنتِ أذكى وأنبل وأجمل. لقد كنت في بدني طوال الوقت، في شفتي، في عيني، وفي رأسي. كنت عذابي وشوقي والشيء الرائع الذي يتذكره الإنسان كي يعيش ويعود.. إن لي قدرة لم أعرف مثلها في حياتي على تصورك ورؤيتك. وحين أرى منظرًا أو أسمع كلمة أو أعلق عليها بيني وبين نفسي، أسمع جوابك في أذني، كأنك واقفة إلى جواري ويدك في يدي".
جمعت الأديبة تلك الرسائل، وأدرجتها في كتاب قدّمت له بنفسها. كأنها أرادت أن تقول إن غسان المناضل الذي حمل نقديته بين الدفاتر، إنما هو شاعر يفيض بالحب وبرقة الكلمات بين صفحات دفاتره.