مين فينا الحرامي؟
ما الفرق بين الاقتباس والسرقة؟
الاجابة أن الاقتباس يشار فيه إلى المصدر الذى تم الاقتباس منه، والسرقة العكس. نقل بدون إشارة إلى المصدر، بحيث ينال الناقل شرف الإبداع وأجره، بدلاً من المُبدع الأصلى. المسألة سهلة وواضحة.
لكن قبل هذا السؤال، يوجد سؤال أهم، كيف يوصف عمل ما، أدبى أو مسرحى أو غنائي أو سينمائي أو تليفزيوني، بأنه مستنسخ أو مقتبس من عمل آخر ، لننتقل إلى السؤال السابق، ونحاسب صناعه على عدم الإشارة إلى المصدر، إذا لم تتم ؟
هنا تحديداً المشكلة. والمسألة غير السهلة أو واضحة.
نعيش الآن فى عالم تجاوز آلاف وآلاف السنين مع فن السرد، بداية من رسومات ونقوشات الكهف، التى صنعها الإنسان فى أول محاولاته للتسجيل والتدوين، حتى اللحظة الحالية، التى يُسجل فيها على الإنترنت، ملايين الكلمات والعبارات، أثناء قراءتك لهذا لسطر فقط لا غير، وما بين العهدين تراث إنساني من القصص والأفكار والمعالجات، يستحيل تخيل حجمها.
لنأخذ فكرة شهيرة كمثال - السفر عبر الزمن - أدبياً يعود الفضل فى شهرة الفكرة عالمياً، للأديب "هـ.ج.ويلز"، الذى صاغها فى الرواية الناجحة "ألة الزمن"، التى يسافر فيها البطل عبر الزمن إلى المستقبل بمركبة خاصة، ليجد العالم قد انقسم إلى صنفين من البشر. نوع ضعيف كسول يندرج من نسل الأغنياء (الأيلو)، ونوع همجى متوحش قوى أقرب إلى الحيوانات، يندرج من نسل الفقراء (المورولوك).
عشاق السينما يعرفون أن الرواية الشهيرة تم صناعتها مرتين، أعوام 1960 و 2002 لكن أهمية الفكرة تتجاوز بمراحل أهمية الرواية، لدرجة أن السينما وحدها استهلكتها فى مئات المرات والمعالجات المختلفة، نكتفى مثلاً بذكر سلسلة "العودة الى المستقبل" أو Back to the Future وسلسلة المبيد أو Terminator كأشهر السلاسل. ستجد الفكرة أيضاً فى أفلام مثل 12Monkeys - The Butterfly Effect - Déjà Vu - Donnie Darko - Frequency - Run Lola Run - Looper - Timecop بالاضافة الى تواجد منتظم فى سلاسل تليفزيونية مثل Star Trek وهذا الصيف وحده، شهد توظيف جيد للفكرة، فى فيلمين من أضخم أفلام هوليوود للموسم X-Men: Days of Future Past - Edge of Tomorrow
هل يمكن القول إذاً أن كل هؤلاء مدينين لـ "هـ.ج.ويلز" بالاقتباس؟.. وكيف نعرف تحديداً، إذا كان أى منهم اقتبس الفكرة مباشرة منه، أم من فيلم أو قصة أخرى لاحقة؟
لنترك السؤال السابق و"هـ.ج.ويلز" الذى نشر روايته عام 1895، ونركب ألة الزمن لنسافر عبر الزمن إلى الماضى أكثر.
عام 1881 كتب "ادوارد بيج ميشيل" قصة قصيرة بعنوان "الساعة التى تتحرك إلى الماضى" أو The Clock that Went Backward وفي القصة أول أداة انتقال أو مركبة زمن.
فى نفس العام كتب "ادوارد ايفرت هيل" رواية Hands Off وفيها يمتلك البطل القدرة على الانتقال إلى زمان ومكان مختلف، ليعود إلى مصر فى الأزمنة القديمة، ويتدخل ليمنع أخوة "يوسف" من بيعه كعبد فى القصة التى نعرفها، ويغير مسار التاريخ تماماً، فيما يمكن اعتباره أول رواية سفر عبر الزمن تطرح فكرة المسار الكامل البديل.
عام 1843 كتب البريطانى "تشارلز ديكينز" رواية "ترنيمة عيد الميلاد" أو A Christmas Carol عن سكروج البخيل الذى يرى مع شبح الماضي، مشوار حياته الذى فضل فيه المال على عائلته وحبيبته، وشبح الحاضر الذى يرى معه حياة موظفه الفقير الذى يبخسه أجره، وشبح المستقبل الذى يرى معه عواقب بخله على من حوله، ليستيقظ "سكروج" فى الحاضر وهو إنسان جديد، ودود ومهذب، يساعد كل من حوله.
عام 1836 كتب الروسى "ألكسندر فيلدمان" رواية يعتبرها بعض النقاد والمؤرخين أول رواية خيال علمي روسية، حيث يجد البطل والراوى نفسه فى الماضى العتيق، ويقابل سقراط وأرسطو والاسكندر الأكبر، قبل أن يعود فى النهاية لزمنه الحاضر.
عام 1819 كتب "واشنطون ارفينج" رواية عن شخص ينام فى جبل، ليستيقظ بعد 20 عاماً، ليجد زوجته ماتت وابنته قد تزوجت.
ستذكرك القصة الماضية حتماً بقصة أهل الكهف المذكورة فى القرآن.
لكن أقدم قصة نعرفها حالياً وتتضمن سفر عبر الزمن، تعود إلى الميثولوجى الهندوسية، أو الـ"مهابهاراتا" تحديداً، عن الملك "رايفاتا" الذى يقابل الالة "براهما" فى السماء، ويكتشف عند عودته إلى الأرض، مرور قرون عديدة منذ مغادرته.
كل ما سبق فى الحقيقة ملخص سريع جداً جداً لعشرات الأعمال الموجودة عن الفكرة. ومن الوارد طبعاً التقاء الخواطر والأفكار.
يبقى السؤال إذاً: لمن تعود أول فكرة "سفر عبر الزمن" ؟!
ربما لإنسان ما فى العصر الحجرى قبل ظهور أول محاولات التدوين بقرون، عندما فشل فى اصطياد فريسة برمحه، وفكر قائلاً لنفسه بحسرة فيما معناه: "لو يمكننى فقط العودة قليلاً قبل إلقاء الرمح، لأصوبه لليسار أكثر".
وللحديث بقية