التوقيت الإثنين، 03 أكتوبر 2022
التوقيت 08:36 م , بتوقيت القاهرة

عود


"حبيتك أنا ...


مع إن الحب اللي جمعنا ..


مابقاش له مكان زي زمان أبدا ولا معنى .."


صوت غناء أنغام الهادئ تسمعه هي من سماعات موّزعة بدقة في المكان.. جلستْ وحيدةً بعيدةً عني في مكانهما المفضل في هذا المطعم المتوسط القِدم بالزمالك الذي أعمل به حيث جلستهما المفضلة هناك.. كان هذا المكان هو لوحتهما التي رسمّا عليها أحلامهما.. وآلة العود المشتركة التي عزفا عليها أغان عشقهما.. كان اسم المطعم "عود".. وهو اسم كان شهيرا جدا حين تم افتتاحه في التسعينيات بسبب أغنية أحمد الحجار الشهيرة وقتها.


"عود" مطعم هادئ وعادي لكن ديكور المطعم وإضاءته وحتى أغانيه وموسيقاه تعود بالجالسين إلى روح الثمانينات والتسعينات حتى أطباقه وأسعاره، ومن يعمل به بملابسهم بطريقة كلامهم حافظوا على روحه ليصبح مناسبا للطبقة المتوسطة التي قاربت على الانقراض.


من يحب "عود" يشعر أنه آلة زمن وليس مطعما.


دقائق قليلة مرت، سرحتْ فيها مع الأغنية حتى شعرتْ أنه جاءها.. شعرتْ به دون أن تراه.. حياها وأمسك بيديها بدفء حقيقي شعرت به وارتجفت.. حدثته باسمه وتمايلت مع حديثها كوردة تميل مع نسيم الربيع.. هل سمعت إحداهما تقول لحبيبها إنت روحي؟ رأيتها باسمة حين شعرت بحضوره تقولها بصورة عملية.


ابتسمت.. وارتجفت، وبمجرد مجيئه.. أعطتني إشارة بيدها الطيبة الصغيرة وبدوري أعطيت إشارة للطباخ لتحضير طبقين "الاسكالوب" والمكرونة المفضل لهما.. نظر لي الطباخ بسخرية معتادة.. ولكني لم أعره اهتماما.


من أنا؟ أنا أقدم من عمل هنا منذ قرابة خمس وعشرين عاما.. حاليا أنا أقود المكان وأحافظ على روحه وعموما أنا لست القصة بل هما.


ذهبت إليها وحيّيتها وقلت لها إنني طلبت لها المعتاد.. ابتسمت لي طامعة في لحظات خصوصية.. فتركتها وأعطيت إشارة أخرى للمسؤول عن الأغاني في المكان بتشغيل أغنية المكان و أيقونته.


" عود..
الفجر لسّه بيبتسم بين دمعتي...


عود..


الفرح ممكن يترسم على شفتين ..


الوهم مات.. والذكريات.. قالتلي حبك بالوجود..


ياريت تعود .. يا ريت تعود "


من بعيد أطلتُ النظر لها وهي سعيدة وتحادثه.. يا ألله أين هذا الحب الآن؟!.. تلك الفتاة التي لم تعد الآن فتاة كما رأيتها للمرة الأولى، بل امرأة في نهاية الأربعينات.. عشرون عاما تأتي هنا في نفس المكان ونفس الزمان أسبوعيا.. ترتدي دبلتها الذهبية في يدها اليمنى.. الحقيقة أن آخر ثمانية عشر عاما من العشرين تأتي وحدها.. وتجلس محادثة خطيبها المرحوم  - بإذن الله - في مكان حبهما الأول.. دون أن يكون هنا.. بجسده.. ربما كانت روحه معها وتراها حتى بعد أن مات.. لقد توقف الزمن بها، وظلت أمنيتها أن يعود.. وظل "عود" هو مكانها المفضل.


مرت ساعة تقريبا.. ونادتني فذهبت لها بعد أن انتهت من الطعام.. رفعت طبقها فارغا وطبقه المتروك صحيحا غير ملموس.


"أنا اللي هدفع النهاردة "


قالتها لي وضحكت وكأنّها تضحك له.. ثم رحلت وهي سعيدة وكأنها ممسكة بيده.. هي رحلت وأنا كالعادة بكيت.. وظل أحمد الحجار يغني..


" عمري اللي راح .. سماح سماح


يا حب أكبر من الجراح ...


رجع عبيرك للورود ..


ياريت تعود .. ياريت تعود"


كانت هذه القصة هي الأحزن في "عود".. ولكنه مكان مليء بالقصص.. ولكن لهذا حديث آخر..


مينا فريد


القاهرة 2015



لمتابعة الكاتب