التوقيت الثلاثاء، 25 فبراير 2020
التوقيت 07:16 ص , بتوقيت القاهرة

جنازة عصر

<p>برحيل  "فاتن حمامة" بدا أن ستارَ عصر قد أُنزل لصالح عصر آخر، هي جنازة لتشييع عصر أو زمن، بآليات وأخلاقيات وسلوكيات زمن بديل، حضر الجنازة الموبايل، الصورة السيلفي، الفوضى، الافتعال، أطفال يمرحون، مشاهير، متفرجون، وبعض الحزن.</p><p>الفنان قد دخل المسجد أخيرًا مُسجّى والأزمات الاجتماعية حاضرة، هناك ظن شائع يُنـطق مُحَـوَّرًا أو صريحًا بأن الفنان لا يدخل المسجد إلا محمولا على الأكتاف، لبعده الفطري عن الخالق، الريبة في الفنان لا تزول مهما بلغت مكانته، لم ينجُ فنان من التشكيك في عقيدته وأخلاقه، الفن هنا ببلاد الشرق مُحرَّم ومتداول بنفس المقدار وبنفس الثقة والحضور. المصور الفوتوغرافي يراجع عقيدته في بلادنا كل يوم حتى يموت.</p><p>جنازة فوضوية بامتياز، طالما لم تنظمها الدولة، فستضع الفوضى بصمتها، التدافع والزحام للحصول على أي شيء مهما كان بسيطا، عشوائية كل شيء بدءًا من التجمهر أما سيارات شركات المحمول الجوالة، وحتى وداع فنانة راحلة تسرح بعض الأذهان أنها بعد دقائق ستذهب لحفل تعذيب مركَّز ينتظرها.</p><p>لا أثق كثيرا فى المشاعر الجماعية، فنحن نتعاطى الفن بطريقة لا أحبك ولا أقدر على بعدك، مأساة الفنان هنا تتمثل في أن يعطي ويُضحِك ويُسلي ويثقف، ثم يُلعن فور رحيله، الفنان هنا محصور في مساحة مانح المتعة شبه المحرمة، أثق أن من بين الحضور من ردد قبلا عبارة "بكرة "تتشد" في نار جهنم من شعرها" عن أخريات، لدينا شك في الفنان غير منكور وغير واضح الملامح أيضا.</p><p>منبع الشك ترسّخ مع الصحوة الإسلامية المزعومة، تلك الصحوة التي يتباهى أصحابها بكونها هي التي ملأت المساجد بالشباب، بعدما كانت لا تمتلئ إلا بمن شارفوا القبور، الشك كان تشويهًا متعمدًا وليس شيئٍا آخر، جزء من تصورٍ روجه قادتهم، ربط الفنون بالفجور والسقوط الأخلاقى دونا عن باقي المهن، فالفنان مُؤثَّم ابتداءً، أمّا أصحاب باقي المهن فلديهم مائة فرصة للرَواغ من الإثم، حيث لا أضواء عليهم.</p><p>للفنان هنا موقع وسط بين رجل الدين والسياسي، فهو يستطيع تحقيق مكانة تتخطى وعظ الكاهن ودون نفوذ سياسي، ويظل يتردد بينهما مصطدما بكليهما بين الحين والآخر.</p><p>ربما لم ينجُ من شناعة هذه الاتهامات الجزافية الطائشة، سوى أم كلثوم لقوة شخصيتها، الزاجرة لمن يتناول سيرتها، وفاتن حمامة بشكل نسبي، وذلك لشدة رقة ملامحها ورقي حديثها، الموحيان بالإفراط في البراءة والطُهر، وهي أمور ظاهرية على كلٍ، لكنّها ضرورة للحماية في مجتمع منح عقله لخطب التطرف لقرابة نصف قرن.</p><p>لكن حتى مع هذا لم يرضَ أعداء الحياة بالسماح لهما بالنجاة التامة من التشويه، فلدينا خطب الشيخ كشك التي وقف يخاطب فيها أم كلثوم بإهانات وسط إعجاب مريديه، ولدينا الآن أحفاد البنا والإسلاميون، يودعون فاتن حمامة بخليط من اللعن السياسي والدينى، اللعن السياسي لمقابلتها للسيسى ومباركتها لحِراك الخلاص من الإخوان، واللعن الديني كممثلة، أنثى سافرة الوجه والشعر لم تلبِ دعوة حجاب البناوية التي كانت مدخلهم للسيطرة على عقول المصريات، لذلك لم تكن فاتن حمامة في حاجة لإبداء رأيها السياسي، كي تنال لعنات الإسلاميين، ففي كل الأحوال كانت ستنالها!</p><p>ملامح الوداع سارت بحسب نمطنا السائد، لا بحسب ما تمثله فاتن حمامة، أو ما يشعه ظهورها من هدوء وسكينة، النعش يكاد أن يسقط بالجثمان من التدافع والتجمهر ورغبة الظهور فى عدسات المصورين، ورغم عدم ضخامة الأعداد الحاضرة، فهي لا تُعد بعشرات الألوف مثلا، أعداد متوسطة نسبيا، لكنّها كافية لصنع جَلَبة أصفها بالمبالغ فيها، ليس لغياب المشاعر بقدر ما هي لغياب حسن التقدير. </p><p>التجمهر لمشاهدة الفنانين الحاضرين والتقاط الصور لهم، مشاجرات لفتح الطريق أمام بعض الحضور ليتمكنوا من السير، صياح، الرغبة في التقاط مشهد لموقع إخباري أو الانفراد بفيديو لليوتيوب. </p><p>غياب تنظيم الدولة في حدث يستوجب حضورها ثقافيًا وسياسيًا، وعدم ترويج الحدث دوليًا باعتباره علامة على المستويين الوطني والفني، بما يعيد التعريف بالفن المصري واستغلاله للترويج الفني، وعبور الدولة المصرية لحدودها بثقافة داعمة، بمثابة فرصة وطنية ضائعة! تطغى الفوضى والارتجال على المشهد وتتبخر هيئة السيدة الراحلة في أتون الزحام.</p><p>الوداع الكريم يحتاج لهدوء وجلال يليق بالمشيَّع، وليت حب الفنان وتقديره الجارف كان حقيقة مؤكدة بغير شك وتأثيم، وإلا لغاب التشفي الاجتماعي الرائج في مناسبات رحيل سابقة لفنانين، فالفنان ما زال في مخيلة المصري المعاصر كيان منفلت الزمام.</p><p>على كل، فحب الفن والفنان في بلادنا، هو حب ناقص، مشكوك فيه، مرهون بما غرسه أصحاب الخطب النارية في الأذهان. فبفعلهم الرديء صار المصري يستمتع بالفن بعين، ويلعن صاحبه بالعين الأخرى، يأخذ منه ويبخل بكلمة الشكر، يخشى أن يمنح كلمة تقدير صادقة، كي لا يقع في الإثم، يعيش في فقر روحي وأزمات خطايا، بينما صاحب الفتوى يحصد ملذات الحياة بثمن دعوته للكراهية. </p><p>الدولة قد تركت الجنازة دون إدارة أمنية لائقة، فانتهت إلى فوضى شعبية دون رابط، وداع شعبي صرف بكل ما أصبحت تحمله كلمة شعبي من معانٍ أقرب للانفلات منها لمراعاة الأصول، كما روجت أفلام فاتن القديمة!</p><p>إنْ كانت فاتن حمامة قد مثلّت في عصر له أبجديات مختلفة عما نحياه الآن، وإن كانت قد بثت أعمالها فى جيلين قد عاصراها، إلا أن من عاصر شبابها وكبرها، يُدرك بوضوح أنها رحلت وكثير مما تناولته في أعمالها، قد أهيل عليه تراب التهميش.فأبلة حكمت مثالا  ليست صاحبة قيمة، بل هى امرأة غير محجبة، كما يريد لنا الغرب الذي يهدف لطمس ثقافتنا، وضميرها المزعوم لا نحتاج إليه فلدينا خير منه في تراثنا بعيدا عن ثقافتها المرفوضة.</p><p>رحلت فاتن حمامة ومعركة قيمها مستمرة، تبدو خاسرة بعض الشيء اجتماعيا، ولكن هناك قوى ما زالت تُعافر لتفرض قيما إنسانية يحاول المأزومون خنقها.هي جنازة مُعبرة تمامًا عن أوضاعنا الاجتماعية والسياسية، لا تختلف عن طبيعتنا في شيء تصارع حول جسد مُسَجى، تصارع حول من يودعه التراب ومن يشارك في حمله ومن يظهر في الصورة الخاتمة، ومن يفرض ذاته على مشهد الصراع. جنازة تشابه الصراع حول وطن يشكو آلامه.</p><p>وداع فاتن حمامة هو إسدال الستار على عصرها تماما، مهرجان يقترب من ثقافة المهرجانات الشائعة مؤخرا بكل سمجها.</p><p>كانت أزمة مصر حاضرة في مشاهد وداع فاتن حمامة.</p>