التوقيت الأحد، 02 أغسطس 2026
التوقيت 10:58 م , بتوقيت القاهرة

باع التليفون للاختباء وسط الصخور.. حكايات إنسانية من واقع أزمة سبتة

أزمة سبتة
أزمة سبتة
فى خضم الأزمة الإنسانية التي شهدتها مدينة سبتة مع تدفق آلاف المهاجرين، تبرز قصص فردية تحمل فى طياتها ملامح المأساة الإنسانية التى يعيشها الشباب الطامح إلى حياة أفضل. هذه الشهادات، التى رواها مهاجرون وعائلاتهم، ترسم صورة واقعية عن دوافع الهجرة، وعن الصدمة التي واجهوها على الحدود، وعن خيبة الأمل التي عصفت بأحلامهم.
 
 
"بعت تليفونى عشان أوصل.. ورجعت فى نفس اليوم"
يقول شاب مغربي يبلغ من العمر 22 عاماً، من مدينة طنجة، إنه شاهد فيديو على تطبيق "تيك توك" يزعم أن الحدود مفتوحة وأن الناس تعبر بشكل طبيعي. "بعت تليفوني الوحيد ب 600 درهم عشان أدفع المواصلات لسبتة. لما وصلت، لقيت نفسي قدام بحر بارد والشرطة كلها هناك. حاولت أعوم لكن التيار جرّاني، رجعوني المغرب بعد 8 ساعات. كنت مصدق إني هشتغل في مطعم وهبعت لأهلي.. رجعت بلا تليفون بلا حلم."
 
 
 
"ابن أخويا 14 سنة راح وماحدش عارف عنه"
تروي سيدة من تطوان قصة ابن أختها الصغير البالغ من العمر 14 عاماً، الذي سمع الجيران يتحدثون عن الحدود فغادر المنزل دون إخبار والدته، واختفى لمدة يومين كاملين، بحثت عنه العائلة في المستشفيات ومراكز الإيواء، حتى عُثر عليه في سبتة، نائماً على الرصيف، مبللاً وخائفاً. قالت: "قالنا كنت فاكر إني هدخل بسرعة وأرجعلكم بورقة السكن، لسه طفل ومش فاهم إن الدنيا مش لعبة."
 
 
"فقدت بنتي في الزحمة.. وقعدت أدور عليها 16 ساعة
أب من القنيطرة يروي قصة عائلته التي قررت العبور معاً: "كنا عيلة كاملة: أنا ومراتي و3 عيال. قررنا نعبر كلنا مع بعض. في وسط الزحام على الشاطئ، انفصلت بنتي البالغة 16 سنة عنّا. مراتي كانت بتصوت وتبكي، والناس بتدهس بعضها. لقيتها بعد 16 ساعة في مركز إيواء، كانت قاعدة لوحدها وبترتجف. النهاردة بنقول الحمد لله إنا رجعنا، لأن اللي شفناه يستاهل إننا ننسى الحلم ده."
 
 
فضلت 3 أيام بين الصخور عشان ما يرجعونيش
شاب يبلغ من العمر 26 عاماً من الدار البيضاء، يروي أنه عبر الحدود لكن الشرطة بدأت في إعادة الناس، فاختبأ بين الصخور على الشاطئ لمدة ثلاثة أيام دون طعام أو شراب، خوفاً من الإعادة. "كنت شايف الناس حواليا بتترجّع، وخايف أتحرك. في اليوم التالت، لقوني الحرس المدني وأنا مرهق جداً. قالولي روح ارتاح، الدنيا مش مستاهلة'. دلوقتي بقولهم كانوا صح، بس ساعتها كنت مصدق إني لو رجعت هكون فاشل."
 
 
الصياد اللي نزل البحر 10 مرات في يوم واحد
في مشهد إنساني مختلف، يروي صياد سبتي يدعى مصطفى، أنه شاهد ناساً تغرق أمام عينيه، فنزل بقاربه الصغير 10 مرات في يوم واحد لإنقاذ المهاجرين. يقول: "كل مرة كنت أنتشل 3 أو 4 أشخاص من المية. في واحدة ست كانت ماسكة في طفلها ومش عايزة تسيبه، الاتنين كادوا يغرقوا. أنا مش بطل، أنا إنسان، وماكنتش هسيبهم يموتوا قدامي."
 
 
رجعت في نفس اليوم وقلت لأهلي: بلاش
شاب من فاس، عمره 19 عاماً، يقول: "كنت مصدق إن أوروبا مستنياك باب مفتوح. لما وصلت، لقيت شرطة وكلاب وحديد وشوك. قعدت ساعتين على الشاطئ أتفرج على الناس اللي بترجع، حسيت إني غبي. رجعت المغرب في نفس اليوم، اتصلت بأخويا الكبير وقلتله 'اللي بيقولك الحدود مفتوحة بيكدب، بلاش تيجي'. هو كان مجهز حاله يسافر بكرة. أنا كنت آخر واحد في العيلة يصدق الأحلام دي."
 
تكشف هذه الشهادات عن حجم المأساة الإنسانية التي عاشها آلاف الشباب المغاربة، الذين استجابوا لدعوات مغرضة على وسائل التواصل الاجتماعي، فوجدوا أنفسهم أمام واقع قاسٍ من بحر بارد، وشرطة مرصودة، وحواجز حديدية، وأحلام تحطمت على شواطئ سبتة. كما تبرز القصص دور الشائعات ووسائل التواصل في تضليل الشباب، وتأثير ذلك على حياة عائلات بأكملها، بينما يظل الأمل الوحيد في قصص النجاة والعودة، وفي لفتات إنسانية كتلك التي قام بها الصياد مصطفى، الذي اختار إنقاذ الأرواح بدلاً من التفرج على المأساة.