التوقيت الخميس، 02 أبريل 2020
التوقيت 06:11 م , بتوقيت القاهرة

المرأة التي أحبت يوسف

امرأة العزيز أحبت يوسف.. لاحقته في كل طريق، ولم تكبت مشاعرها، بل أرادت أن تحل ضفائرها وأثوابها الملكية وترشف حبه. تثمل أنفاسها ولا تتساءل عن أي شيء سوى ملامسته.


أخطأت.. وقال القرآن استغفري لذنبك.. سريعًا. كي لا تتوقف الحياة عند خطأ وحيد.. ودون أن ينصب مشنقة تضمن لها الإعدام. بل تستمر معنا حتى نهاية الآيات ولا يصدر عليها القرآن حكما يصفها أنها امرأة لعوب تهوى الرذيلة. ويضعها الله مع يوسف النبي في آية واحدة، (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ).


ومن طرف خفي وجد لها مبررا حتى يخفف اللوم عنها. فحكى قصة تالية قد لا تكون ذات أثر كبير في الأحداث.. أحضرت النسوة اللاتي يذكرنها بالسوء. جلسن على الطنافس وأمسكن سكاكين الفاكهة. دخل يوسف، ارتبكت النسوة ومررت شفرات السكاكين على أيديهن من جلاله وهيبته.


إذن ليست مشكلة امرأة العزيز وحدها.. ليس لأنها منحرفة أخلاقيا تهوى الانحلال.. لا.. يوسف يتجاوز القدرة على المقاومة، وباقي النساء قابلات للافتتان به.


القرآن يعذر امرأة "خاطئة".


والقرآن قال لما رأينه (أكبرنه).. والإكبار هو الإحساس بالهيبة والعمق والرقي.. ليس رجلا عاديا، إنه يوحي بالمهابة أكثر منه بالجمال الشكلي. وربما يعود ذلك لقيمة مستودعة فيه تجمع بين الصبر والعفو والأمانة والمعرفة. وتلك صفات تزيد الانسان مهابة ظاهرة دون أن يتعمدها.


ويوسف النبي لا يتقمص دور الإنسان السوبرمان. الأسطورة. الخارق.. بل يعلن ضعفه أمام غواية النساء. ويقول لربه، (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ).. أي أن هناك احتمالا أن يستجيب يوسف النبي "يصبو" لما تدعوه النساء إليه.


لا تتربصوا للناس الأخطاء. ولا تعصفوا بحياة إنسان لمجرد الزلل.


الدين يكرس لفكرة الإنسان "العادي" حتى في صيغة النبوة. فالأنبياء قد يتعرضون للغواية واحتمالات الضعف والخطأ. وأنهم في الأخير يستمدون العون والهداية من الله العزيز.. وفي الأخير كانوا عظماء. فيصير نموذج العظمة "الإنساني" قابلا للتحقق من بعدهم.


وفي السجن يخاطب رفاقه بكلمة (يا صاحبي).. ويكررها.. رغم أنهم لا يعبدون الله الواحد. فهم في نظره كفار. لكنه يخاطبهم بعذوبة ورقة.. ثم.. ينتظر حتى يأتي الطعام ليأكلوا معا. ويتعاون معهم ويخبرهم بتأويل الرؤيا.


يوسف النبي. يأكل مع أصحابه الكافرين من طبق واحد.


فيما بعد آتاه الله العلم. والحكم.. وعندما عرض نفسه على الملك قال، إني حفيظ عليم.. رجل مؤتمن على ثروات الوطن. ولديه العلم بالإدارة والإنتاج والاستثمار.. ليس لأنه نبي ابن نبي. بل لأنه كفء.


لاحظ أن يوسف النبي، هنا، لا يقوم بوظائف دينية، بل بوظيفة دنيوية تهدف في المقام الأول لإنقاذ البلد من الفقر والجوع والأزمة التي يتعرضون لها.. نبي الله وجد أن مسؤوليته ذات طبيعة اقتصادية وإدارية. فاستخدم سلطانه لتحسين ظروف الناس أكثر منه التبشير بدين آبائه. وتعاون مع ملك مصر، الذي  يخالفه العقيدة الدينية، من أجل إنقاذ البلاد من الخطر الذي يتهددهم. لم يصنع خصومة دينية بينما هناك جائحة تقف على حدود البلاد.


وفي النهاية رفع أبويه على العرش وخروا له سجدا.. سجدوا لبشر.. ليس سجود عبادة ولكن تقدير واحترام.. لو توقفنا حرفيا عند السجود -كما يفعل إخواننا المتشددون- لاعتبرنا ذلك كفرا يستوجب الخروج من الملة. القرآن لا يريدك تافها سطحيا شكلانيا تحاكم الأشياء على ظاهرها.. بل هناك غاية. موضوع كبير. فلا تنسحق للصغائر.


- تقول له وحياة أبوك تيجي معايا..


- يقول لك، الحلف بغير الله كفر.


- أيوا يا سيدي الحلف بغير الله كفر لو كنت تريد تعظيم المحلوف به مثل عظمة الله.. في الجاهلية كانوا يحلفون باللات والعزى ومناة ويقصدونها آلهة.. الرسول كان ينبه لهذا النموذج. والناس لا تقصد أن تضع آلهة مع الله على قدر ما تعتبره شيئا من الرجاء. أم المؤمنين عائشة كانت تقول ولعمري أنه حق. تحلف بعمرها.. مثلا.


أهو سيبنا الموضوع وتوهنا في سخافة وتفاهة وسطحية. هكذا يضيع الدين والدنيا.


ونهاية السورة يخاطب الرسول فيقول (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين).. الله كتب على الأرض التنوع والاختلاف.. بقاء الحق والباطل إلى قيام الساعة. لا ترهق نفسك. ليست قضيتك.


ثم يقول (وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين).. يختصر الله الرسالة النبوية في كلمة "ذكر" .. تذكير وإيقاظ للقلوب والعقول والضمائر.. تلك هي وظيفة الرسول. وطبيعة الرسالة. وهذا هو موطنها الأول.


ويختم الآيات ( إن في قصصهم لعبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى..)


أصحاب العقول هم المخاطبون بهذا الدين.. بعيدا عن التقليد والكهانة والاستعباد للخرافة والتغييب. إنه يجعل للدنيا أسبابا ثابتة. حقائق. منطق ندركه.. مقدمات ونتائج تتحقق.. والإنسان هو سيد الموقف. وجعل للتاريخ دور للتعلم وتراكم المعارف، وبذلك ينمي العقلية المعرفية والنقدية بداخلك. فالمؤمن واع لحركة التاريخ وليس غشوما جاهلا بها يكرر أخطاءها آلاف المرات ولا يدري.


دين الإنسان. العادي. المخطئ. العظيم. والذي يجتهد ليتعلم فلسفة الحياة.