التوقيت الإثنين، 25 يناير 2021
التوقيت 08:58 م , بتوقيت القاهرة

مصر التي في خاطري

في خيمة من خيام ميدان التحرير، قبل تنحي مبارك جلسنا في مجموعة تنتمي إلى كافة الأطياف السياسية والاجتماعية والمهنية في مصر، اتسعت خيمة واحدة لحواراتنا وآمالنا عن مصر القادمة التي نريدها ونحلم بها ولها.


جلس عمرو الفني البسيط يحدثنا بكل حماس، كيف أنه لا بد من عودة شهبندر كل مهنة في مصر حتى تعود لكل المهن جودتها وانضباطها، ظل يفصل في فكرته ويشرحها بحماس لافت وطموح جارف للمستقبل، الذي بدا مشرقا وكيف من الممكن تطوير الصناعات الحربية! فقد كان من بين خبرات هذا الفني النابه العمل في إحدى المصانع الحربية، نموذج تختبئ في تلافيف عقله كل عبقرية الإنسان المصري الذي بنى الأهرامات، تلتمع في عيونه مسحة الذكاء الفطري الذي يجاهد الواقع الصلد المحبط.


بلغنا بأحلامنا عنان السماء ويوم أعلن مبارك تنحيه حللنا الخيام فرحين وبدأنا في الانصراف من الميدان، لكن عمرو وقف واجما حزينا يدعونا إلى البقاء في الميدان وعدم الاغترار بهذا المكسب الوهمي، فلم يكن مبارك سوى عنوان لنظام ومؤسسات ودولة عتيقة ترهلت وتكلست، لكن صوته ضاع وسط جلبة أبواق السيارت والاحتفالات والأهازيج، ومرت تحت الجسر مياه وأثبتت الأحداث أن عمرو كان أعمق نظرا وأقوى بصيرة منا جميعا، لم يكن عمرو شخصا واحدا بل كان ضمن آلاف آخرين أصروا على التمسك بالحلم مات بعضهم تحت عجلات الفوضى، التي ضربت البلاد بعدها.


لكن كل تلك الفوضى لن تجعلنا نبلع أحلامنا وننزوي في صمت أو نلتحف باليأس، بل نقول وسنظل نقول عن مصر التي في خاطرنا جميعا. مصر التي تفتح مسارات السياسة بأحزاب حقيقية تتمتع بكل الحرية في الدعوة لأفكارها، ومن ذلك حشد وتعبئة أنصارها وبناء برامجها وعرضها على الناس، والسعي لكسب ثقتهم بانتخابات حرة ونزيهة وشفافة تتمتع بكل الضمانات وتحظى بكل أنواع الرقابة محلية وإقليمية ودولية، وفق قانون انتخابات دستورى محكم  خال من العيوب والمطاعن، يحقق تكافؤ الفرص والعدالة بما يضمن تشكيل برلمان قوى يجسد سلطة الشعب كسيد في بلاده.


لم يمت من مات من أجل هذا البلد لنبقى بلا برلمان كل هذا الوقت تحت أي دعوة، حتى وصل الأمر بالبعض أن يطلب من الرئيس أن يستفتى الشعب في إلغاء البرلمان واحتفاظ الرئيس بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، أي عبث هذا؟! لاعذر في تأخير انتخابات البرلمان عبر لعبة أصبحت مكشوفة، تقدم الحكومة قانون انتخابات معيب وهي قادرة على أن تقدم قانونا صالحا، فمصر تحتفظ بجيش من ترزية القوانين الذين تمرسوا على العبث بالقانون وتفصيل التشريع على هوى الحكام آن لهذا أن يتوقف.


وإذا كان على الرئيس والحكومة أن يحترموا حق الأحزاب في المنافسة السياسية العادلة والشريفة بتوفير بيئة تسمح بذلك، فإن على الشعب أن يمنح كل الأحزاب فرصتها فلا يحرم نفسه البدائل، ولا يخضع للدعاية السوداء التي تريد للشعب أن يؤمن نظريا بالتعددية السياسية، بينما يكفر بها عمليا فلا ينتمى لأي حزب أويصوت له، فكيف إذن تتشكل البدائل السياسية لنكن ككل الأمم المتقدمة، أيها الشعب المسكين لا تحرم نفسك البدائل، منحت الطغاة سنوات بالمجان أذاقوك فيها الويل فامنح الفرصة مرة للشرفاء وجربهم.


نريد مصر التي تكافح فساد رجال الأعمال والحكم من رئيس الدولة وحتى رئيس الحي، القانون فوق الجميع حكاما ومحكومين، كلنا نعلم أن الفساد في مصر تحول من فساد إدارة إلى إدارة فساد أو بنية مؤسسية كاملة، أوضاعنا لاتحتمل المخاتلة أو الإجراءات الضعيفة لا بد من حسم جراحي، نريد إجراءات وليس أغنيات، نريد اقتصادا قويا تتحمل فيه الدولة أدوارها، ويتحمل القطاع الخاص دوره في إطار ما تخططه الدولة، التي تبدو غائبة وإن حضرت فلا نرى سوى أنيابها.


  لن يبنى مصر إلا أبناء مصر لن يساعدك أحد بالمجان، لامعنى لاستقلال سياسي دون استقلال اقتصادي موارده متوفرة لكن تعوزه الإرادة السياسية حتى الآن، الاقتراض قاد مصر في عهد الخديوي إسماعيل إلى الإمتيازات الأجنبية التي مهدت لاحتلال الأرض وهذا درس التاريخ الغائب.


نريد مصر التي يحظى أبناؤها بحقوق كل البشر في العالم، تعليم حقيقي ورعاية صحية وأمن حقيقي للناس وليس للنظام، نريد تعليم مدنى للجميع حتى سن الثامنة عشرة نوفر معه تعليم ديني راق متطور عبر الأزهر بعد إصلاحه، وهذا حديث آخر لكن استقلال الأزهر من أهم ملامح مصر التي ننشدها، هذه بعض مسارات تصنع مصر التي في خاطري، الذى يزدحم بمصر أخري لن أحدثكم عن ملامحها، فلا أتصور أن قلوبكم أو عقولكم تتحمل مشاهد أخرى لمصر التي ليست في خاطري .