التوقيت الجمعة، 24 سبتمبر 2021
التوقيت 05:07 ص , بتوقيت القاهرة

ليس بالأمن وحده نحارب الإرهاب

لازال جنود الشرطة والجيش يدفعون ثمن الإرهاب الجبان الذي تواجهه مصر، من حلف مجرم بين مجموعات تكفيرية استوطنت سيناء وتحولت إلى أداة الفوضى الجديدة التي تسعى بالأساس، وإن تخفت خلف مقولات الشريعة ونصرة الدين إلى هدم الدولة، من خلال إضعاف الجيش والشرطة وكل أجهزة الأمن لتسهيل الأجهاز على تلك الدولة، ووفقا لما  أعلنه المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة أمس، مؤشر قياس حالة الاستقرار الأمنى بمصر، بوصول عدد ضحايا العنف المسلح من قوات الجيش والشرطة إلى نحو 522 ضحية.


 تقف قوات الشرطة والجيش في خط الدفاع الأول ضد هذا الخطر الذي يتهدد وجود الدولة ذاتها بصيغتها المعروفة، لحساب نموذج الفوضى الذي ترعاه مجموعات التكفير في سوريا والعراق وليبيا وكل البقاع الساخنة في عالمنا العربى والإسلامي، تقدم كما أسلفنا فاتورة الدم والتضحية من أجل هذا الوطن، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هل ستفى المواجهة الأمنية مهما تطورت بمكافحة تلك الظاهرة واجتثاث جذورها؟ كما تحدث البيان الذي صدر عن القوات المسلحة في أعقاب هذا الحادث الإجرامى في العريش والذي راح ضحيته مايقرب من 40 شهيدا من أبناء الوطن .


نحن أمام ظاهرة صاحبت نشأة الدولة القومية منذ بداية القرن، عندما زرع جمال الدين الأفغانى تلك الشخصية المجهولة والمثيرة للجدل، فكرته التي كرسها  في وعى بعض الحركات الدينية فكرة التناقض بين الدين والوطن أو بين الدين والدولة الوطنية، وجعل أساس الرابطة بين أبناء الوطن الواحد هو الدين وليس اللغة أو الجنس أو الأرض ،حيث تلقفت تلك الفكرة جماعات خلطت بين مفهوم الجماعة المسلمة كمفهوم شرعى متعلق بالأحكام الشرعية على أبنائها،وبين الدولة في مفهومها القابل للتطور والذى قدم الفكر الغربى أرقى صورة معروفة له حتى الآن بالدولة القومية، التي تؤقت السلطة وتحرص على تداولها وتفصل فصلا واضحا بين سلطات الدولة ،فلا تجعل لسلطة تغولا على أخرى بل تكامل في الأدوار يمنع سلطة من الانفراد بالحكم، وبالتالي تجسيد حكم الشعب وإشراكه في تحديد مصيره وإدارة مقدراته. 


سوقت النصوص الشرعية المتعلقة بأهمية أن ينتظم المسلمون في دولة ترعى شؤونهم باعتبار صيغة الدولة تخضع لتطور الأحوال والتجربة البشرية الممتدة، لذا لم يحرص الإسلام على تحديد صيغة محددة للحكم بل قدم مبادئ للحكم لاتتعارض أبدا مع ما تعارف عليه البشر، في تطور تجربتهم البشرية التي عدها الإمام محمد عبده من الهدايات الأربعة مع العقل والنقل والوجدان، لكن التعسف في الفهم والأطماع التي تسربلت برداء الدين والتي جسدتها حركات وأحزاب ومذاهب على مدار تاريخنا القريب والبعيد، خلقت فقها خاصا توارثته حركات توسلت بنصوص ملتبسة، وسعت نطاق عملها وجعلتها خادمة لتصور يجعل إقامة ما يسمى بالدولة الإسلامية فريضة لايصح إيمان الناس  بغير العمل لإقامتها، حيث خلطوا بين فريضة الدعوة للإسلام التي هي في حقيقتها دعوة لتمكين مكارم الأخلاق، إلى دعوة لإقامة دولة لم يتفقوا على ملامحها حيث لم يسعفنا الفقه السياسى الإسلامي بدء من الجوينى وبن تيميه وصولا للخومينى والبنا،بملامح لتلك الدولة التي يبرز نموذجها الأوفى لدى الشيعة في دولة إيران.


فهل يبرز نموذج داعش كنموذج لولاية الفقيه السنية إذن؟ 
إن نقطة البدء في مكافحة الإرهاب تبدأ من مكافحة تلك الفكرة الجهنمية التي تسلطت على بعض دعاتنا وعلمائنا، فخلفت في وعيهم فرضية إقامة دولة مغايرة تقوم على الدين وتلغى كل التجربة البشرية لحساب تهاويم وأطماع ضيقة تلتحف به.


مانشهده ليس معركة بين الدولة وبين مجموعة من البغاة او الخوارج أو حتى المجرمين، بل نحن أمام معركة هي فصل من فصول الصراع بين الدولة المدنية التي لم نصل إلى النموذج الأوفى لها، ودولة دينية تعمل لها حركات بأطياف متنوعة من سلفيين إلى إخوان إلى جهاديين إلى تكفيرين، وكل بطريقته يسعون لهدف واحد يمثل فضاء التعليم والتربية والثقافة والمؤسسات الدينية ميادينه الأصلية، فهل ستفي المواجهة الأمنية مع بعض نشطائه الذين يحملون السلاح بالحل، ونحن ذاهلون عن جيوش أخرى لم تحمل السلاح بعد لكن فيروس العنف ينتقل إليهم بسرعة مخيفة تستدعى الانتباه ،وإعادة النظر في بناء استراتيجية متكاملة تجعل الأمن في ذيل الخطة، وليس في مقدمتها أو حتى وحده في مواجهة الطرف الآخر الذى يملك خططا وإن اعتقد البعض أنه عشوائي.