التوقيت السبت، 16 يناير 2021
التوقيت 10:27 ص , بتوقيت القاهرة

فيلم تسجيلي.. نساء بسبعة أرواح.. كيف حاربت المرأة المعيلة كورونا للحفاظ على أسرتها

نساء بسبعة أرواح
نساء بسبعة أرواح
ناضلت لسنوات على كافة الجبهات، تنتقل من معركة إلى أخرى بحثا عن حريتها وعن حقها، رحلة طويلة قطعتها، في البدء كانت "عورة" لا يراها أحد ولا يسمع صوتها أحد، كانت كلمة "لا" هي الشعار الأشهر في حياتها، لا تخرج من البيت، لا يحق لها التعليم ولا أمل لها في العمل، كافحت وناضلت وثارت لتحصل على الحق فى أن تكون "إنسانا" لا ينقص منها أن الله خلقها امرأة.

لما حصلت المرأة على جزء من حقها، تعلمت وعملت وخرجت للميادين، وشاركت فى الثورات وفى المعارك، وصارت جزءا مهما فى المجتمع، وبذلت المزيد من الجهد والعمل والمثابرة والنضال لتنافس على القيادة وتتقدم الصفوف، لكن جاءت الجائحة "كوفيد 19"، لتعيدها  مرة أخرى "وراء الحجاب"، وبرغم أن هذا الحجاب "كونيا" عانى العالم أجمع من ويلاته الاقتصادية والاجتماعية، لكن المرأة كالعادة، هي التي دفعت أكبر الأثمان وأشدها إيلاما.

ملايين السيدات فقدن أعمالهن، فلم يجدن منزلا ولا زوجا يتكفل بتكاليف المعيشة، فاضطررن إلى خوض رحلة شاقة من أجل الحصول على عمل يكفيهن أو بالمعنى الدارج "يسترهن" ليحقق لهن التوازن فى حياتهن، ويعيد الأمور إلى نصابها، غير أن تلك المهمة كانت أشبه بالمهمة المستحيلة حينما أعلنت منظمة الصحة العالمية فى 11 مارس 2020 تفشى فيروس كورونا فى العالم وتحوله لجائحة، فتعاقبت القرارات التي صعبت من مهمتهن وجعلتهن يحفرن في الصخر من أجل إيجاد لقمة العيش.

 

ضحايا الوباء وضحايا قرارات الحماية منه

 

كل قرار طبقته الدول من أجل الحد من انتشار فيروس كورونا كان بمثابة حجر في الطريق إلى الرزق، فقد أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء دراسة استقصائية عن "أثر فيروس كورنا المستجد على الأسر المصرية منتصف يوليو الماضى وكان من بين الأرقام المعلنة أن 60 ٪ من العاملين إما فقدوا وظائفهم أو تغير عملهم، 26 ٪ فقدوا وظائفهم بالكامل،  90% غيروا سلوكهم الاستهلاكي إلى المنتجات الضرورية ، 53 ٪ أضطروا للجوء إلى الاقتراض، وبطبيعة الحال كان الوضع صعبا على نساء مصر المعيلات ليجدن لقمة عيش "نظيفة".

أربعة تقارير صادرة عن المجلس القومى للمرأة منذ بداية أزمة كورونا وحتى الآن أكدت أن أثر الجائحة على السيدات ضعف أثرها على الرجال، فمع إغلاق المدارس والحضانات تحملن مسئولية الدراسة للأبناء فى البيت، ومع تقليص العمالة وساعات الحظر تحملن مسئولية الأسرة كما زادت عليهن أعمال الرعاية المنزلية غير مدفوعة الأجر، بالإضافة لتأثير الخطر على الفتيات الصغيرات اللاتى تضاعفت عليهن أعباء المنزل وصرن لا يجدن وقتا ولا مالا ولا رعاية كافية، مما يحد من إمكانية حصولهن على حقهن في التعليم فما بالنا ببرامج التعلم عن بعد التي تتطلب أن يكون البيت مزودا بأجهزة كمبيوتر واتصال دائم بشكبة الأنترنت هو الأمر الذي يعد رفاهية كبيرة عند غالبية الأسر المصرية الفقيرة وهو ما يدفع بهن نحو الزواج المبكر؟

 

انظر خلفك في حزن وأنظر امامك في دهشة

 

لو عدنا إلى الخلف لنرى ما الذي حدث لنساء مصر في ظروف مشابهة سنجد أنفسنا نغوص إلى ما قبل قرن من الزمان وقت إنتشار الانفلونزا الاسبانية فى مصر فقد كانت تلك الفترة تشهد نهاية الحرب العالمية الأولى،حيث الارتباك سيد الموقف، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تشهد زلزالا بعد آخر، ويكفي أن نرصد هنا أن الوثائق التاريخية التي سجلت وقائع هذه الفترة لم تلتف أصلا إلى السيدات ووضعهن، وكفى بهذا ظلما وجحودا، وبحسب ما قاله الدكتور محمد أبو الغار أستاذ ستاذ التوليد و أمراض النساء بكلية الطب جامعة القاهرة و المدير الإكلينيكي للمركز المصري لأطفال الأنابيب ومؤلف كتاب "الوباء" الذى تحدث فيه عن إنتشار الأنفلونزا الاسبانية وتأثيرها على مصر فلا يمكن لأحد معرفة أثر انتشار الأنفلونزا الاسبانية على السيدات تحديدا لأن وقتها خروج السيدات إلى العمل محصورا على فئتين، الفئة الأولى هي فئة السيدات اللاتى يعملن فى الحقول مع أزواجهن، أما الفئة الثانية فقد كانت فئة "العاهرات" وهؤلاء تأثرن بالفعل فقد تم وقف عملهن تماما بإعتبارهن "حاملات للوباء"، أما غير ذلك لا يمكن تحديد كيف تأثرت السيدات بالوباء، لكن المجتمع عموما شاهد عوامل مشابهه لما يحدث الأن من إغلاق مدارس وجامعات وطرق نقل وحظر مواصلات وغير ذلك، وإن كنا نريد أن نعرف ما الذي حدث للنسوة اللاتي عملن في خدمة البيوت مثلا أو مشاغل النسوجات وقتها، فعلينا أن نتخيل ما الذي يمكن أن يحدث لهن في زمن يخشى الأخ من مصافحة أخيه.

داليدا

وبرغم وجود العديد من الكتب التي تحدثت عن المجتمع المصري لكن للأسف لم يتناول أحد وضع المرأة في ظل هذه الأوبئة ومعاناتها من أجل الحفاظ على أسرتها، ولحسن الحظ ما أغفله التاريخ عالجته الدراما والأدب بشكل أكثر وضوحا وصدقا، ونرى هذا في رواية "اليوم السادس" للأديبة المصرية اللبنانية أندريه شديد" والتي حولها المخرج المصري يوسف شاهين إلى فيلم بذات العنوان حيث لعبت فيه المرأة دور البطولة المطلقة ودور المكافحة الأولى للمرض المتمسكة دوما بالأمل، وقد كتبت "شديد" التي ماتت في 2011 عن 90 عاما هذه الرواية استلهاما للأحداث التي عاشتها أثناء انشار وباء الكوليرا وللمصادفة فهناك سيدة أخرى هي الشاعرة العراقية الرائد نازك الملائكة قصيدة عذبة مؤلمة عن هذا الوباء أيضا، وهو ما يوحي بأن الأزمات التي عاشتها المرأة لم تجد من يعبر عن روحها سوى المرأة.

داليدا .

 

كابوس كورونا يضرب 58% من سيدات مصر

 

سوداوية حال الماضي لم تختلف كثيرا عما عاشته ملايين السيدات في مصر الآن، إخترن من المهن أصعبها بحثا عن لقمة العيش، هن "المعيلات" ممن فقدن الزوج "موتا أو انفصالا أو بنات تعملن لوفاة الوالد أو مرضه، وهن نسبة لا يستهان بها فى المجتمع، فوفقا لإحصائيات المجلس القومى للمرأة فإن المعيلات تمثلن نسبة 18% من السيدات فى مصر، بينما تصل نسبة النساء اللاتى يعملن فى مهن "هشة" غير منتظمة إلى 40% من إجمالى العاملات فى مصر، بحثن بينهن عن نماذج مختلفة فى العمر والحالة الاجتماعية ومستوى التعليم والتوزيع الجغرافى، لنستعرض كيف أثرت جائحة كورونا على حياتهن.

 

سهى .. طلقها زوجها بعد أن انجبت بنات فصارت الأب والأم ورواغت كورونا بأكثر من مهنة

 

سهىسهى

فى الرابع عشر من شهر مارس 2020 أصدرت وزارة التنمية المحلية قرارا بإغلاق كافة الحضانات فى مصر، واعتبرت الوزارة أن قرار رئيس الجمهورية بإغلاق المدراس والجامعات يتضمن أيضا الحضانات، وهو القرار الذى أثر على نسبة 56% من العاملات فى مصر واللاتى تعملن فى مجال الخدمات والرعاية، ومن بين هؤلاء "سهى"، سيدة إسكندرانية تزوجت من رجل صعيدى، وانتقلت من أقصى الشمال لأقصى الجنوب لتعيش مع زوجها فى مسقط رأسه، لكن الحال تبدل بعد أن انجبت إبنتها الأولى، بدأت المشاكل، فالرجل يريد "ولدا"، حملت من جديد وأنجبت فتاة ثانية، فطلقها الرجل، وأخذت هى الصغيرتين وعادت بهما إلى الإسكندرية، قررت الإستقلال بحياتها وبناتها عن أسرتها، بحثت عن مسكن مناسب وعن عمل ترزق منها هى والبنات، فعملت فى أكثر من عمل، منها بائعة خضار وخياطة وبوفيه محكمة وعاملة بالحضانة.

 تقول سهى لليوم السابع "أنا أما وأبا لبناتى "مريم ومنه"، أعمل من أجل تربيتهن، فبعد الإنفصال لم أرغب فى العودة إلى بيت أهلى، وكان يجب أن تشعر بناتى بالاستقلال فى حياتهن، فعملت فى مجالات عدة حتى جأت كورونا وكنت وقتها أعمل فى حضانة، فكرت فى البحث عن عمل بديل، فجأت فكرة العجلة"، وهى مصدر الدخل حاليا، أشتريتها وقررت أن أعمل عليها فى توصيل الطلبات للمنازل مثل الشركات والتطبيقات الكبيرة التى تتلقى أى طلبات من المواطنين وتوصلها، ثم قمت بعمل إعلانا على "فيس بوك"، وبعدها عملت "يافطة" عليها نوع الخدمة ورقم تيلفون للتواصل، وبما إنى مصممة جرافيك صممت اليافطة بنفسى وعلقتها على العجلة" وبدأت الناس تسجل الرقم وتتصل بى وتطلب وأقوم بالشراء والتوصيل، أحصل منهم على ثمن الطلبات ومقابل التوصيل، وهكذا.

تضيف سهى "أبدأ يومى فى الرابعة صباحا، مع البنات، نصلى ونقرأ القرآن ونفطر، بعدها نخصص ساعتين للمذاكرة، "وهى المهمة اليومية الأولى لسهى" والتى لا يمكن التهاون فيها بعد قرار التعلم عن بعد، بعدها تبدأ فى المهمة الثانية "العمل على ماكينة الخياطة حال طلب منها أحدهم العمل" ثم تبدأ المهمة الثالثة "المنزل وطلباته "شراء الخضار وتنظيف المنزل وإعداد الطعام"، ثم تجلس فى إنتظار أن يرن جرس الهاتف المحمول لتبدأ معة المهمة الرابعة بتلاقى الطلبات والتوصيل، تقول سهى "لو كسبت كويس اشترى طلبات البيت ولم محصلش يتم تأجيل الشراء لليوم التالى، وفى كل الأحوال الحمد لله مش بنام جاعنين فى يوم".

 

رانيا .. إنفصل والديها فتحولت لأب وأم لإخواتها..إنفصلت عن زوجها فعادت لنفس الدور مع أبنائها بعد سنوات قليلة من الراحة

 

رانيارانيا

واجهت شركات الشحن والملاحة فى العالم واحدة من أكبر الأزمات على مدار التاريخ فى عام 2020 بعد أن توقفت الحركة بسبب تفشى جائحة كورونا، ووصلت خسائر هذه الشركات فى الربع الأول من 2020 إلى 350 ألف دورلار اسبوعيا وذلك وفقا لتقرير مؤسسة  «سى إنتليجينس» الدانماركية إحدى الأذرع الاستشارية المتخصصه فى تحليل أسواق الشحن، وبالطبع كان العاملين فى هذه الشركات أول المتضررين، ومن بينهم سيدة فى العقد الثالث من عمرها تدعى "رانيا"، كانت تعمل بأحد شركات الشحن والسفن، فوجدت نفسها بين ليلة وضحاها بلا عمل، لكن الموقف لم يكن مربكا لرانيا التى اعتادت الأزمات واعتادت تجاوزها أيضا، فقدت عملها ففكرت فى شراء "تروسيكل" وسيلة مواصلات تستخدمها فى نقل وشحن أى شيئ، وعلى ما يبدو أنها الفكرة التى استوحتها من عملها بشركة الشحن، وبالفعل "عملت جمعية" مع واحدة من جيرانها قبضتها أولا واشترت التروسيكل وبدأت كفاحها ضد تأثير كورونا على بيتها.

تقول رانيا "36 عاما وحاصلة على دبلوم تجارة" لـ"اليوم السابع": بدأت العمل مع والدى حتى أعول معه البيت، وبعدها انفصاله عن والدتى وجدت نفسى أتحمل مسئولية أخواتى الأربعة، حتى كبرنا وتحمل كل منهم مسئولية نفسه، ثم جهزت نفسى وتزوجت ورزقنى الله بأحمد 14 عاما  وأشرقت 10 سنوات وبعد حوالى ست سنوات ونصف انفصلت عن زوجي، أخذت أولادي وقمت بتأجير شقة وعشت فيها وأصبحت أنا من أصرف عليهم تمامًا أعمل أى عمل قانونى ولا أخجل أى "شغلانة" تكفى بيتى وأولادى، وبعد كورونا فكرت فى شراء التروسيكل وقلت لنفسى "هيكون متنقل معايا أجيب خضار وأبيعه، أنقل بيه عفش، أعمل عليه أى حاجة".

تضيف رانيا " فكرت فى بيع المشروبات الساخنة لأن المصريين يحبونها  وقمت بشراء المستلزمات والمواد الخام وبدأت العمل فى وقت صعب فكان الشغل قليل جدًا نظرا لعدم تواجد الناس فى الشارع بسبب الحظر، وكان الأهم عندى هو جمع إيجار البيت والفواتير ثم الأكل فالأولوية دائما للإيجار لأن مرور شهر دون الدفع يعنى أن الشهر القادم سأكون مع أولادى فى الشارع، وبالطبع كانت فترة الإغلاق الإيراد يكفى الإيجار فقط، فكانت كل متطلبتنا مؤجلة بما فيها الأكل احيانا "لأن البطن محدش بيشوفها لكن الأربع حيطان هما اللى بيسترونا"، لكن الشيئ الذى لا يمكن التنازل عنه هو "تعليم الصغار" لأن الشهادة هى الشيئ الوحيد الذى سأتركه لهم بعد وفاتى.

لا تختلف تفاصيل حياة رانيا "بنت المقطم" فى القاهرة عن تفاصيل حياة سهى "بنت إسكندرية"، كلاهما تبدأ يومها مع أذان الفجر، فرانيا أيضا تقوم باكرا مع الأولاد تذاكر لهما وتحضر لهما وجبة الإفطار يخرجون معا "للمدرسة أو للعمل" يبقون بجوارها فى الشارع، يساعدونها فى العمل وتساعدهم فى الدراسة حتى ينتهى اليوم تماما ويعودون لتناول وجبة عشاء تعدها الأم ثم يذاكرون مرة اخرى وينام الجميع استعدادا لصباح جديد.

 

 

الجميلة والتوكتوك .. أمنية تقول: بشتغل عشان "لقمة العيش" وفى الموقف عارفين إنى "راجل"

 

امينةامينة

فى الرابع والعشرون من مارس 2020 أصدر رئيس مجلس الوزراء المصرى الدكتورمصطفى مدبولى قرارا بفرض حظر تجوال من السابعة مساء وحتى السادسة صباحا وهو القرار الذى أثر على قطاع كبير جدا من بينهم سائقى وسائل النقل الخاصة سواء تاكسى كان أو ميكروباصا وحتى التوكتوك، تلك الماكينة الصغيرة التى تمثل "لأمنية" مصدر الرزق الوحيد، الفتاة التى بدأت رحلة الشقاء فى عمر الـ 12 سنة، حيث بدأت بالعمل "سائقة تاكسى" لتساعد والدها الذى ترك العمل ولم يجد بديلا عنه نظرا لظروفة الصحية.

تقول أمنية لليوم السابع أنها عملت لأعوام على التاكسى وهى فتاة صغيرة ثم وجدت أن العمل على توك توك أكثر ربحا فقررت النزول لموقف حلوان وشق طريقها، تبدأ يومها فى السادسة صباحا، تتوجه للموقف وتتناول وجبة الإفطار مع زملائها فى العمل"جميعهم رجال" ثم تبدأ فى توصيل المواطنين حتى قبل غروب الشمس بساعات قليلة، تتوجه بالتوكتوك لصاحبه "فهى تقوم بتأجيره يوميا" بمبلغ 150 جنيه، ثم تعود لمنزلها بعد غروب الشمس، فلا تجد وقتا "لصديقات، أوخروجات أو حتى علاقة حب، وهنا تقول أمنيه أنها لا تفكر فى الزواج حاليا فهى تريد استكمال تعليمها، كما أنها لا تشعر بأنوثتها حتى زملائها فى العمل ينظرون لها على أنها "صديق" دون تاء التأنيث، كما أنها لا تهوى النظر فى المرآة ووضع مساحيق التجميل، مضيفة أنها من فرط تعاملها على أنها "رجل" إذا ضايقها أوتحرش بها أحدهم "تقوم بضربه فى الشارع".

وعن كورونا تقول أمنية أنها الفترة الأصعب فى حياتها لأن الناس فى الشارع قليلون جدا، والمتواجد يخشى ركوب التوكتوك، لذلك كنت حريصة على إرتداء الكمامة ورش الكحول لنفسى وللركاب، ومع ذلك كان الدخل قليل جدا، ففى أيام لم يكن يكفى ثمن إيجار التكتوك وأيام أخرى يكفيها تماما دون ربح .

 

 

هكذا تهاجر البراءة..أية وهاجر تعملان فى المقهى لمرض أبيهما وللمشاركة في تجهيز أختيهما

 

هاجر وايةهاجر واية

واحدة من التدابير التى اتخذتها الدولة المصرية لإعانة الأسر المتضررة من قرارات الإغلاق أثناء مواجهة الجائحة فى مصر هى صرف منحة استثنائية قدرها 500 جنيه، للعمالة غير المنتظمة، وهى المنحة التى وجه بصرفها رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسى، وكانت سببا فى "ستر" بيوت الكثيرين من المصريين الذين  لم يجدوا مصدر رزق سواها، ومن بين المستفيدين من هذه المنحة "هاجر وأية" طفلتان الكبيرة فى الثانية عشر من عمرهم والصغيرة بعمر العشرة، والدهما مريض، فقررتا أن تقفا معه فى "القهوة" حتى لا يعمل معه "صبى" فيحصل على يومية ربما تكون هى إجمالى المكسب فى نهاية اليوم.

بكلمات بسيطة، وجمل غير متكاملة، ومسئولية كبيرة، تحكى الشقيقتان قصتهما، "تركنا المدرسة والدراسة وتفرغنا "للقهوة"، مع والدى المريض الذى ترك مسقط رأسه "سوهاج" وتوجه لمحافظة الجيزة بحثا عن مصدر رزق، فاستأجر المقهى وجهزه لكن المرض استوقفه، وهنا تقول هاجر "بابا تعبان "رجله وجعاه وصدره مقفول وعامل اشاعة"، وإحنا واقفين معاه علشان محدش يشتغل وياخد منه فلوس ونصرف على البيت، ونجهز اختنا الكبيرة علشان هى مخطوبة ومينفعش تقف فى القهوة علشان عيب".

تضيف أية الصغيرة "يبدأ يومنا من السادسة صباحا "نفتح القهوة، وننضفها، ونلمع الكراسى والترابيزات ونغسل التلاجة ونرش المياه، ويجى الزبون نشوف طلباته ونعملها ونقدمها ونروح باليل الساعه 11 أو 12 وأحيانا بنروح 1 لو فيه ماتش شغال، وفى القهوة إحنا بنعمل كل حاجة، بنغسل الكوبيات والملاعق و"الكنكات" ونطلع الشيشة ونولع بخور، وساعات أنا بقف اعمل المشاريب وهى تطلعها للزباين وساعات العكس "بنخفف على بعضينا"، هنا تلتقط هاجر أطراف الحديث من شقيقتها "لو أية تعبت أنا بشتغل مكانها وهى تطلع الطلبات للزباين، وساعات العكس، وهى بتقف على الكرسى علشان تعرف تطول البوفيه وتعمل الطلبات وأنا برضو.

وعن  فترة الإغلاق وتأثير جائحة كورونا على حياتهمت تقول هاجر "وقت كورونا إحنا كنا قافلين خالص وكنا عايشين على معاش السيسى، بنقبضة ونعيش منه وندفع منه جزء من الإيجار .. 100 أو 200 جنيه والباقى ناكل ونشرب بيه، وتانى شهر ندفع جزء وكانت ماشيه، وأتكوم علينا الإيجار وبعد ما فتحنا رجعنا برضو نسدد الإيجار جزء فى التانى.

 

 

عزة .. "شايلة الوِلْدٌ ووِلْدٌ الوِلْدٌ" 17 سنة بين تلال القمامة "لتطعم الأبناء والأحفاد"

 

عزةعزة

فى أوقات كثيرة لا يكون للمصائب تأثيرا كبيرا على حياة البعض، فالمصائب عندهم مسلسل لا تنتهى حلقاته، يعتادون عليها ويتعايشون معها، وهذا بالتحديد ما يمكن قوله فى تأثير كورونا على "عزة" تلك السيدة التى مرض زوجها فلم تجد سبيلا إلا تلال القمامة "تغوص فيها بحثا عن "أزايز بلاستيك _ أقمشة قديمة _ أكياس _ أي شيئ يمكن بيعه خردة"، تجمعه ثم تبيعه لتصرف على اربعة ابناء؛ وثلاثة أحفاد وزوج.

 تقول عزة جمال الدين، أنا عمرى "54 أو 55 "، مش فاكرة عندى أربع عيال ومنهم شاب "مجنون" وبنت متجوزة ومتطلقة معاها 3 عيال أنا إللى بصرف عليهم برضو "9 أفراد عايشين مع بعض أوضة كلهم فى رقبتى"، وتضيف هنا "منذ 17 عاما وأنا استيقظ يوميا فى السابعة صباحا أعمل حتى الساعة السادسة مساء، أجمع البلاستيك والكراكيب وأقوم ببيعها لنحصل على الرزقأنا وأبنائى وابنائهم، مضيفة أن وقت الإغلاق كان العمل قليل جدا أحيانا يجمعون القمامة ويستطيعون بيعها وأحيانا لا فكان الرزق فى نهاية اليوم يتراوح من 20 إلتى 30 جنيه مقسم على 9 أفراد تقول عنهم "محدش ليهم غير ربنا وأنا وبوسى بنتى إللى بألف راجل، وهى واقفة جنبى وبتساعدنى، ورافضة الزواج وكذا عريس يجيلها وهى ترفض وتقولى "ياما أنا عاوزة اقعد معاكى انتى".

 

بوسى.. "أمى ملهاش غيرى" ومش هتجوز علشان افضل جنبها

 

بوسىبوسى

بالطبع لا يتوقف ورث الاب والأم على الأموال، فهناك من يرث الصفات وهناك من يرث الأداء وهناك من الشكل وهناك من يرث الدلع وهناك من يرث الشقاء، وهو ما ورثته بوسى من أمها عزة، تعمل معها فى "القمامة" ترفض الزواج لتتحمل مسئولية المرأة التى تتحمل مسئولية الجميع، فتقول لليوم "أنا عمرى 24 سنة وبشتغل مع والدتى وانا رافضة الجواز علشان لو أنا اتجوزت محدش هيكون مع أمى، وأنا مليش أى أحلام غير إن احلامها هى تتحقق، وعن فترة كورونا تقول بوسى كانت فترة صعبة جدا وأثرت على البيت لأن الشغل كان قليل جدا، والدخل كذلك فكنا "نطبخ" مرة يوما فى الأسبوع وباقى الأيام "نقضيها" أى حاجة.

 

فيروز .. اشتغلت علشان ولادى يتعلموا أفضل تعليم

 

فيروزفيروز

قد لا يتوفر المعنى الحرفى لكلمة "أمرأة معيلة" فى كثير الحالات التى تمثل فى الحقيقة "وتدا" يرتكزعليه البيت حتى مع وجود العائل، وهو ما ينطبق على فيروز السيدة التى قررت النضال مع الزوج منذ 15 عاما وحتى اليوم لتوفر لأبنائها المزيد من الفرص فى الحياة، فقررت العمل واستثمار ما تجنيه لتعليم أولادها، اشتغلت فى تطريز الأزياء وفى تحضير الطعام للعاملات من سيدات البيوت ومهن أخرى لأن دخل الزوج لا يكفى لحلمها فى أولادها.

تقول فيروز لليوم السابع أنها "أم" لأربعة رجال، ثلاثة أبناء ورابعهم زوجها الذى تعتبره هى "ابنها أيضا"، موضحة أن الزوج راجل بمعنى الكلمة يحبها ويقدرها ويحترمها ويقف بجوارها ويدعمها، يعمل ويصرف على البيت لكن بعد أن انجبت طفلها الثالث أصبح دخل البيت لا يكفى كما أنها أرادات أن يحصل ابنائها على أفضل تعليم مهما كلفها الأمر، لذلك قررت العمل وبالفعل تخرج الولد الأكبر من كلية الهندسة والثانى يدرس فى جامعة خاصة أما الثالث مازال فى مرحلة الإعدادية.

وعن فترة كورونا تقول فيروز أنها أثرت بشكل كبير على عملها فهى فى الفترة الأخيرة اعتمدت على تجهيز الطعام وبيعه للسيدات العاملات، وكانت تقف أمام مدرسة معينة لسنوات استطاعت أن تكتسب شهرة، وبعد إغلاق المدارس لم يعد هذا متاح وفقدت الكثير من زبائهن، بخلاف أن السيدات وقت الحظر كن تعملن فى المنزل وهذا منحهن مزيدا من الوقت لتحضير الطعام بأنفسهن، كما أن القلق والخوف من إنتقال المرض وهواجس النظافة التى سيطرت على كل المصريين دفعت حتى بعض الزبائن تخاف من فكرة شراء الطعام الجاهز على التسوية، لكنها وكما تقول تغلبت على كل ذلك بإنتقالها من الوقوف إلى المدرسة لشارع أخر به عدد أكبر من الناس والمارة كما كانت حريصة دوما على إرتداء الكمامة والكحول حتى استطاعت تعويض ما خسرته ماديا نتيجة الإغلاق.

 

عشرات القرارات .. الدولة المصرية تحقق معادلة صعبة بقرار الإغلاق مع توفير مصدر رزق للمتضررين

 

على مدار تسعة أشهر من مارس وحتى نوفمبر 2020 أصدرت الدولة المصرية عشرات القرارات المتعلقة بمواجهة تفشى فيروس كورونا فى مصر بداية من قرار الإغلاق وما تبعه من قرارات اقتصادية واجتماعية استطاعت من خلالها الدولة المصرية تحقيق معادلة صعبة لتعويض المتضررين اقتصاديا من قرارات الإغلاق والحفاظ على العمالة غير المنتظمة وصرف منح وإعانات وتوفير سلع استهلاكية وغذائية ومحاربة الغلاء، وهى القرارت التى شملت بالرعاية العديد من الفئات الفقيرة والمهمشة لعل أهمها هو صرف منحة العمالة غير المنتظمة ومنح اجازات مدفوعة الأجر للسيدات الحوامل وأصحاب الأمراض المزمنة، وهو الدور الذى قامت به ايضا بعض المنظمات الحقوقية والاجتماعية التى تهتم بالمهمشين ومنها مبادرة "بداية جديدة"، "وهى مبادرة اجتماعية تهتم بالمعيلات"، أسستها نجلاء عياد التى تقول لليوم السابع أنها تهدف أن المرأة المعيلة من أكثر الفئات المتضررة خلال أزمة كورونا خاصة وأن عدد كبير منهن غير مسجل فى وزارة التضامن الاجتماعى ومنهن ايضا أميات لا يعرفن طريقا للحصول على منحة الدولة للعمالة غير المنتظمة، وهنا كان دور المبادرة التى ساعدت خلال الأشهر الماضية أكثر من تسعة آلاف أم معيلة فى مصر شاملة مطلقات وأرامل من خلال تدريب السيدات على الحرف اليدوية ومساعدتهن فى عمل مشاريع خاصة والتسويق لمنتجاتهن، كما أنها خصصت يوما للاحتفال بالمرأة المعيلة فى مصر واحتفلت به ثلاثة سنوات قبل كورونا وهو اليوم الذى تتمنى أن يصبح يوما عالميا.

نجلاء عيادنجلاء عياد

 

ما العمل الآن..

 

على الرغم من كل هذا الجهد المبذول لمكافحة المرض من الدولة والمؤسسات الأهلية ومن السيدات انفسهن إلا أنه يجب النظر جيدا إلى المعيلات فى مصر ووضع مجموعة من التدابير والإجراءات وهنا نقدم بعض المقترحات لمساعدت المعيلات وقت الأزمات.

1.     ضرورة وجود قاعدة بيانات شاملة بأعداد المرأة المعيلة فى مصر مع الوضع فى الإعتبار توسيع مفهوم "معيلة" لكل سيدة تعول اسرة بغض النظر عن حالتها الاجتماعية على أن لا يكون التسجيل الكترونيا فقط، وأن يمتد للتسجيل فى المكاتب التابعة لوزارة التضامن الاجتماعى بالمناطق المختلفة.

2.     ضرورة تسجيل العاملات فى العمالة غير المنتظمة في قاعدة بيانات وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة القوي العاملة لإدراجهن في تدابير الطوارئ الاقتصادية.

3.     ضرورة إطلاق حملات أعلامية تليفزيونية وعن طريق الإنترنت وفى الشوارع لكل مبادرة تقوم بها الدولة لمساعدة المعيلات مع توفير طرق سهلة للوصول إليها بعيدا عن التسجيل الإلكترونى الذى لا تعرفه كثيرات من المعيلات.

4.     ضرورة إدراج المعيلات فى كل برامج الإعانة والدعم الذى تقدمه الدولة.

5.     توفير برامج حماية اجتماعية مثل التحويلات النقدية، وتقديم السلع الغذائية المدعومة للمعيلات.

6.     ضرورة التوسع فى برامج تدريب النساء على المهن والحرف ومساعدتهن فى عمل مشاريع صغيرة بقروض وتسهيلات من الدولة.

7.     ضرورة التدريب على آلية التعلم عن بعد مع توفير الدولة متطلبات هذا النظام من أجهزة كمبيوتر وإنترنت فى المنزل للأسر الفقيرة حتى لا تفقد الفتيات فرصة التعلم فى مثل هذه الظروف.

8.     إجراء حملات توعية واسعة النطاق بشأن العمل عن بعد للنساء وترتيبات العمل بدوام جزئي.

9.     رقمنة الأعمال التي تديرها الإناث وتطوير منصات اونلاين لضمان استمرار العمل فى الظروف الطارئة.

10.   العمل على برامج توعية للمتزوجين  فى المراحل المختلفة "قبل الزواج وبعده" تشارك فيها الدولة ممثلة فى الأزهر الشريف ووازارة الداخلية والمؤسسات الأهلية للحد من ظاهرة الطلاق.

11.   تخصيص يوم للاحتفال بالمرأة المعيلة ليس فى مصر فقط بل فى العالم كله.