التوقيت الجمعة، 21 سبتمبر 2018
التوقيت 05:43 ص , بتوقيت القاهرة

أخر الاخبار

بالفيديو.. قصص "مجاذيب المحروسة".. لقاءات مع أشخاص لا تتوقع محاورتهم

"نور العقل! ما قيمة نور العقل وسط مملكة من المجانين! ثق أننا لو أصررنا على ما نحن فيه لا نأمن أن يثبت علينا هؤلاء القوم".. كلمات أطلقها الكاتب توفيق حكيم على قرية كاملة أصبها الجنون بسبب نهر فى مسرحية نهر الجنون، وفى عصرنا هناك أناس شربوا من هذا النهر الذى يصيب بالجنون وأتخذوا كلمات توفيق الحكيم "طفىء من رأسك نور العقل بيديك"، طريقاً لهم فى الحياة.

هم أناس وجوهم باهتة، ملابسهم مرقعة، أجسامهم هزيلة، نظراتهم شحيحة التعبير تخرج من أعيونهم.. هم أناس نصادفهم يوميًا فى شوارعنا، دائمًا معلقين بين أصابعهم أكياس بلاستيكية تأوى قصصهم التى تحتاج إلى من يفسرها.

نراهم مجانين رغم نفوسهم العزيزة التى بين أكتافهم المنحية،   نخاف الاقتراب منهم رغم وجودهم فى كل شبر نضع قدمنا فيه، بيتهم الأرصفة والشوارع، هم أشخاص كانوا ضمن مستويات اجتماعية وعلمية ذات ثقل، ثم أصبحوا من التائهين فى عالم ما بين الواقع والخيال، وتحولوا إلى شحاذين فى الشوارع.. هم المجاذيب.

ويسلط "اليوم السابع" الضوء على عالم المجاذيب فى الشوارع، والذين نصادفهم فى حياتنا اليومية بوجههم الباهتة، وملابسهم المرقعة.. بدأت رحلتنا فى منطقة الغورية ليصادفنا أول مجذوب العم "تاكس" وهو رجل فى العقد السابع من عمره كفيف يرتدى ملابس قديمة، تحيط به القمامة وتتسابق نحوه الحشرات، كل ما يمتلكه جاكت وبطانية قديمة ممزقة، اتخذ أحد مداخل مسجد الفكهانى بالغورية بيتاً له، ليقضى فيه طوال يومه يتحدث مع نفسه تارة ومع أصحاب المحلات فى الشارع تارة أخرى.

لم ترحم الشائعات "تاكس" الذى يقضى يومه أمام أحد المساجد بمنطقة الغورية، فهناك من يقول إن سبب ما حدث له هو عشقه لزوجته وسوء معاملتها له، والآخر يقول إنه تعدى على أمه بالضرب فحدث له ما حدث، إلا معلومة واحدة أكدها الجميع أنه كما يقولون "ابن ناس أوى كان أستاذ فى الجامعة وبيعرف 5 لغات".

"سيجارة يابوى والشاى يابوى".. بهذه الكلمات يبدأ "تاكس" فى منطقة الغورية يومه ويظل يردد هذا الطلب منذ أن يفتح عينه حتى يأتيه طلبه.

وللتعرف على قصة العم "تاكس" التقينا أحد أهالى المنطقة هو الحاج مجدى صاحب مقهى بجانب المسجد، ويعرف "تاكس" منذ 27 عامًا، وقال: "اسمه الحقيقى أحمد ويلقب بـ"تاكس" لأنه كان يسير فى الشارع بسرعة فائقة، فلقبه أهالى المنطقة بهذا الاسم".

وأضاف: "أحمد كان يعرف 5 لغات منها الألمانى، والفرنساوى، والإيطالى، والإنجليزى، بالإضافة إلى أنه يحفظ القرآن وعندما يسمع آيات القرآن الكريم يسبق الشيخ فى القراءة"، وأكد أنه من عائلة كبيرة ولكن لا أحد يسأل عنه بسبب ما حدث له، وكل من حوله من أهالى المنطقة يعطفون عليه.

ويضيف ماهر ويعمل سائقًا: "تاكس" ابن ناس كويسة، وكان مترجم للأجانب وفجأة حدث له ما حدث.

ويقول صابر، الذى يعمل سائقًا أيضًا: "تاكس" كان بيشوف وجه هنا من زمان والناس سابوه ومن ساعتها وهو معانا، هو كان مدرس وبيقولوا أنه اعتدى على أمه وضربها عشان كده حصل له اللى هو فيه ده، وكان لما بيمشى ويشوف واحدة ست بيضربها بالقلم".

وتابع محسن منطقة الغورية: "سألنا عليه كتير ودورنا على أهله لحد ما جه واحد عرفه وقال إنه كان مدرس فى كلية الهندسة قسم كهرباء جامعة القاهرة".

وعلى جانب آخر وجدنا مجذوبًا غيره يدعى "منير"، اتخذ شارع جامعة الدول العربية مسكنًا له، لكنه تظهر عليه علامات الرقى، تجده رابطًا قطته بقطعة من حبل مهلل يطعمها بكل ما يملك من طعام أعطف به المارة عليه، ولم نتمكن أن نكتشف أنه مجذوب إلا بعد أن رأينا مايفعله "منير" مع القطة، وعندما سألنا "منير": أنت بتعمل إيه بالقطة ديه رد قائلاً: "اسمى منير إمام أنا بفسح القطة ديه حبيبتى أنا بأكلها وبشربها.. ده أنا حتى لسه ماكلتش صعبان عليا القطة إنها مش بتاكل".

ولن المجذوب يتذكر أحيانًا الماضى الذى تسبب فى فقدان عقله، فبداء "منير" يقول بعض الكلمات عن قصته: "أنا تعبان وأنا راجل كبير وساكن هنا فى عمائر جامعة الدول بس أنا عايش لوحدى مع قططى وكلابى أنا لسه متجوزتيش بس القطر لسه ما فاتش"، وتابع: "أنا عندى أخواتى كل واحد فى مشروعه وأنا سعيد".

ويحكى أهالى المنطقة عن قصته: "منير كان غنى ومن عائلة غنية، والناس بيقالوا إن أخواته ضحكوا عليه فى الميراث، ومن يومها وهو فى الشارع كدا ومنير كان عايش بره وبيعشق الحيوانات وعلى طول رابط القطة فى رقبته كدا، وهى فى حالة هدوء واستسلام ليه".

وقال محمد من أحد أهالى المنطقة: "منير أعرف عنه أنه كان عايش برة وهو بركة ودائمًا بيذكر ربنا وبيتكلم بصوت عالى دائمًا عن بلاد أوروبا".

"صفارة وزجاجة مياه، وقفص ملىء بكراكيب".. هذا ما يمتلكه عم "أحمد" المجذوب الثالث، لم نبحث عنه كثيرًا لأنه كان يتقمص دور عسكرى مرور، بدأ حديثه معانا يتمتم ببعض الهلاوس قائلاً: "أنا داخلية ياعم محدش ليه حاجة عندى أنا كل عائلتى داخلية بس العسكرى غلبان"، مضيفًا: "أنا من أكبر تجار الفكاهة فى مصر.. أنا من روض الفرج من أكبر عائلة بائعين فاكهة فى مصر أنا ابن أشراف".

وتعرفنا على قصة "عم أحمد" عن طريق أحد الأهالى قائلاً: "بيقف هنا كل يوم وعامل نفسه عسكرى مرور، نعرف عنه أنه من عائلة كبيرة فى شبرا، غير كدا كل شوية بيقول إنه داخلية وبيتكلم عن أهل بيت النبى كتير".

وتابع أشرف عن قصة "عم أحمد" قائلاً: "عم "أحمد" كدا كل يوم فى الشارع عامل فيها عسكرى مرور، بس اللى أعرفوا عن عم أحمد أنه فكهانى كبير وكان معلم وفى حد تسبب ليه فى مشكلة كبيرة، ومن ساعتها وهو بيتنقل من مكان لمكان".

وفى شارع رمسيس وجدنا حالة، لم نستطيع أن نعرف اسمها، ولكن كان هو المجذوب الأكثر تواجداً فى الشارع بين حالات المجاذيب، التى رصدنها بسبب حالة الهلاك التى تظهر على وجه وجسمه، وتعاملنا معه عن بعد خوفًا من أن يخرج منه أية ردة فعل غير متوقعة، وعند سؤاله ماذا تفعل فى الشارع رد قائلاً: أنا تعبان وعندى أمراض ومعنديش بيت وعديت بمرحلة بتاعت جواز وكان فيها خسارة خسرت 13 ألف جنيه ودوقت طعم الخيانة فى الجواز"، ولم نحتاج إلى أكثر من هذه الكلمات التى قالها هذا المجذوب لنتعرف على قصته، لأنه لخصها فى كلماته التى قالها.

وفى ميدان رمسيس وجدنا شخصًا يحاول أن يتخطى الشارع زاحفًا، ينبش فى صفائح القمامة عن طعام، يدعى "محمد" بائع ورد سابقًا، وهو من المجاذيب حاليًا، ويقول البعض عنه، إنه كان من أصحاب محلات الورد الشهيرة حتى خانته زوجته، ومنذ ذلك اليوم أصبح فى الشارع يتحدث إلى المارة تارة وإلى نفسه تارة أخرى.

واتخذ المجذوب بائع الورد ميدان رمسيس مسكنًا له، وتحدث إلينا قائلاً: "أنا مش متجوز لا متجوز وعندى أطفال أنا عندى ورد كتير وأنا عندى أطفال".

أكد لنا أهالى المنطقة، أن وراء محمد قصة حب كبيرة وبسبب الخيانة وصل محمد إلى هذه الدرجة، وتابع أحد الأهالى قائلاً: "محمد كل شوية بينادى بأسامى أطفاله بصوت عالى، ولما حد بيسأل محمد أنت متجوز بيرد ويقول "لا بس أنا عندى 4 أولاد بس مش متجوز".

وأخيرًا لم يعد شارع ولا ميدان ولا ناصية من شوارع المحروسة إلا وبه شبيه لـ"تاكس ومنير ومحمد وأحمد"، سواء كان رجلاً أو امرأة، لا فرق بينهم، والسؤال كم من مجذوب بهذا الوطن وراءه قصة بألف فيلم ورواية؟