التوقيت السبت، 04 أبريل 2026
التوقيت 07:30 ص , بتوقيت القاهرة

البغاء في مصر بين "العايقة والمقطورة"

البغاء هي أقدم مهنة عرفها التاريخ، وتعني ممارسة الجنس مقابل المال، وصدر أول تصريح بممارسة البغاء في أوائل القرن الـ 17 قبل مجيء الحملة الفرنسية لمصر ببضع عقود.


ومجيء الفرنسيين إلى مصر كان المنعطف الأخير قبل إلغائها نهائيًا في 1949، فقاموا بتطوير أماكن ممارسة الدعارة وجعلوها مكانًا للسهر والشرب والرقص بجانب بيع الهوى، واشتهرت في القاهرة شوارع ضمت بيوتًا ولوكاندات لتقديم المتعة كـ"كلوت بك" و"عماد الدين" و"محمد علي" و "وش البركة".


وفرضت الدولة لوائح لتنظيم تلك الأماكن، وفرضت عليها الضرائب، وألزمت العاملات في الدعارة بكشف دوري لضمان خلوهم من الأمراض الجلدية والتناسلية، وأنشأ الخديوي اسماعيل "الحوض المرصود"؛ للكشف والعلاج من الأمراض الجلدية والتناسلية، وكانت العاهرات يحصلن منه على رخصة طبية تفيد بخلوهم من تلك الأمراض.


وكان يطلق على العاملات في الدعارة لقبين: "عايقة" وهي القوادة أو صاحبة المنزل، و"مقطورة" وهي الفتاة التي تقدم المتعة.


بعد الحرب العالمية الثانية رفضت العاملات في بيع الهوى تقديم خدماتهم للجنود الإنجليز، ما دفعهم إلى استيراد عاهرات أجنبيات إلى مصر.


رخصة دعارة


شوارع محددة أشهرها "كلوت بك والأزبكية"


كان البغاء نشاطًا قانونيًا حتى قبل ثورة 1952 بقليل، وكانت هناك أماكن معروفة بهذا النشاط في القاهرة كـ"كلوت بك ـ ووش البركةـ ودرب طياب ـ ودرب مصطفى ـ والجنينة ـ والجيزة ـ والحوض المرصود" وغيرها من الأماكن التى كانت مشهورة فى ذلك الوقت.


تم أول تسجيل للبغايا بمصر فى القرن التاسع عشر، وجرى التسجيل في مقر "الصوباشى" أو رئيس الشرطة، وقد أبقى محمد علي، على ضريبة البغاء بعض الوقت ثم تم إلغاؤها عام 1837، ثم بدأ البغاء في الخضوع للتسجيل والتنظيم منذ تطبيق اللائحة التي سميت بتعليمات بيوت الدعارة، واستمر العمل بها حتى ألغيت عام 1949.


صدرت لائحة التفتيش على العاهرات عام 1885 والتزمت البغايا بمقتضاها بالتسجيل وإلا عوقبن، وقد تم العثور في دار المحفوظات على وثائق عمرها 118 عامًا تتحدث عن تسجيل البغاء في مصر.


اعلان كازينو


شوارع محددة وبيوت معلنة تحمل لافتات "عاهرات، وفتوات، وبلطجية، وتجار رقيق وطالبي متعة من الأجناس والملل والديانات".. ملامح غريبة وأخرى معروفة، اعتادت المرور على هذه الأماكن كما يشير الدكتور عبد الوهاب بكر، في بحث علمي رائع صدر في كتاب حمل عنوان "مجتمع القاهرة السري 1900 ـ 1951".


ويعد هذا البحث واحدًا من أهم الأبحاث الاجتماعية التي صدرت خلال الفترة الماضية، وذلك لقدرته على رصد وتحليل والإحاطة الكاملة بكل خبايا وأسرار تاريخ البغاء في مصر، ليؤكد الدكتور عبد الوهاب أن البغاء العلني قد صدر من أجل تنظيمه قرارات ولوائح.


أولى تلك اللوائح أصدرها مصطفى فهمي رئيس مجلس النظار وناظر الداخلية عام 1905، تحت عنوان "لائحة بشأن بيوت العاهرات"، ومنذ ذلك الوقت وتوالت من بعدها التنظيمات، وأصدر خديوي مصر عباس حلمي "لائحة البيوت العمومية"، ثم لائحة التياترات التي وقعها عام 1916 محمد سعيد ناظر الداخلية، وشهد عام 1949 قرارًا انقلابيًا بإغلاق بيوت العاهرات وبعدها بعامين فقط صدر القانون 68 لسنة 1951 الخاص بمكافحة الدعارة والمعمول به حتى الآن.


حصر من يعملون بالدعارة


ويسترسل الكاتب في رصد ما حدث من خلال عبارة "شيوخ العرصات"، وتعني الأشخاص الذي يقومون بجمع الضريبة من الإناث الصبية تحت إدارة قائد الشرطة الذي يعاونه 40 رجلًا يعرفون بجاويشية باب اللوق، وتكون مهمتهم حصر الصبية والبغايا ومراقبة من يقضي الليل خارج منزله أو داخله.


أثناء الاحتلال الفرنسي لمصر، أقيمت في غيط النوبي المجاور للأزبكية أبنية للبغاء لا يسمح بدخولها إلا لمن يدفع رسومًا ويصرح له بورقة صادرة من السلطات الفرنسية، وتقوم الشرطة بحفظ هذه السجلات التى تضم أسماء محترفي البغاء من الرجال والنساء لأغراض الضرائب.


قانون الضبطية


عاهرات في عصر الملك_ أرشيفية


حدد قانون الضبطية الصادر عام 1880، أماكن ممارسة البغاء في منطقتى الأزبكية وباب الشعرية، وتضيف المصادر الأمنية أيضًا مناطق زينهم والعزبة السودانية بالعباسية، وتميزت منطقة عرب المحمدي بأنها الأرخص وكان مكان الممارسة لا يتجاوز حفرة في الأرض، ممهدة للقاء، وتغطى من أعلى بستارة تثبت ببعض الحجارة من أطرافها بواسطة القواد أو القوادة، وعندما يفرغ "العميل" من مهمته يتم رفع الحجارة وإزالة الستارة لدخول عميل جديد.


أما منطقة الأزبكية، طبقًا لتقرير بوليس مدينة القاهرة عام 1893، فكانت تضم أعلى نسبة من الفنادق والغرف المفروشة، بينما ضمت منطقة "الوسعة" ووش البركة في الأزبكية، عشرات البيوت المقسمة لغرف أو حتى دكاكين مغطاة بستائر.


وتراوح سعر الممارسة في العشرينيات بين شلن و15 قرشًا، وكان مكتوبًا على الباب، كما كانت هناك بيوت أخرى مغطاة بقضبان حديدية تجلس خلفها المومسات بوجوههن المصبوغة.


وعندما صدر الأمر العسكري عام 1942 بإغلاق منطقة وش البركة، لجأت العاهرات في ممارسة نشاطهن مع جنود الاحتلال إلى المقاعد الخلفية في عربات الحنطور.