التوقيت الثلاثاء، 07 أبريل 2026
التوقيت 06:19 ص , بتوقيت القاهرة

حكاية سعاد (2)

فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم ما نصه:

أمّا بعد؛  بلغني عنك أنّك اعتديت على رعيّتك في حدود الدّين، وانتهكت حرمةً لرجلٍ من المسلمين، وإنّما ينبغي لمن كان واليًا على كورةٍ أو إقليمٍ، أن يغضّ بصره وشهواته، ويزجر نفسه عن لذّاته. وإنّما الوالي كالرّاعي لغنمةٍ، فإذا رفق به بقيت معه، وإذا كان لها ذئباً فمن يحوطها بعده؟

ثمّ أردف:


ولّيت ويحك أمـراً لست تحكمه         فاستغفر الله من فعل امرئٍ زاني
قد كنت عندي ذا عقلٍ وذا أدبٍ         مع الـقـراطـيس تـمـثـالاً وفـرقان
حتّى أتانا الفتى العذريّ منتحباً         يــشــكو إلـيــنـا بـبـثٍّ ثـمّ أحـزان
أُعـطـي الإلـه يميـنـاً لا أكفّرها        حـقّـاً وأبــرأ مــن ديـنـي وديـانـي
إن أنت خالفـتـني فيما كتبت به        لأجـعـلـنّـك لـحمـاً بـيـن عـقـبـاني
طـلـّق سعـاد وعجـّلها مجـهّزةً        مـع الـكمـيت، و نـصـر بـن ذبـيـان
فما سمعت كما بلّغت في بشرٍ        ولا كـفـعـلـك حـقـاً فـعـل إنـسان
فاختر لـنفسك إمّـا أن تجود بها        أو أن تـلاقـي الـمـنـايـا بـين أكفان


ثمّ ختم معاوية الخطاب بخاتم الخلافة، وقال: آتوني بنصر بن ذبيان والكميت صاحبيّ البريد. فلمّا وقفا بين يده قال لهما: اخرجا بهذا الكتاب إلى مروان بن الحكم ولا تسلماه إلاّ بيده.


فخرجا بالكتاب حتّى وردا به على مروان، فجعل يقرأه ويردّده، ثمّ دخل على سعاد وهو يبكي، فلمّا نظرت إليه سألت برقة: سيّدي! ما الذي يبكيك؟


أجاب: كتاب أمير المؤمنين ورد عليّ في شأنك، يأمرني أن أطلّقك وأجهّزك وأبعثك إليه. وكنت أودّ أن يتركني معك عامين ثمّ يقتلني، فكان ذلك أحبّ إليّ.


ومجبراً، طلّقها وجهّزها، ثمّ بعث بها مع نصر بن ذيبان وأرسل معه ردا على خطاب الخليفة جاء فيه:


لا تعـجلـنّ أمـيـر المؤمنين فـقد     أُوفي بنذرك في رفقٍ وإحـسـان
ومـا ركبت حـرامـاً حين أعجبني      فكيف أُدعى باسم الخائن الزاني؟
أعـذر فـإنّك لـو أبـصرتـها لجرت       منك الأماقي على أمـثـال إنـسان
فسوف يأتيك شمسٌ لا يـعادلها      عـنـد الـخـلـيــفـة إنـسٌ ولا جـان
لولا الـخلـيـفة مـا طـلّـقتـها أبداً        حتّى أُضـمّـنّ فـي لـحـدٍ وأكـفان


وحين وصل الركب إلى الخليفة، قرأ الخطاب وأمعن فيما احتواه من شعر، فعقب: لقد أحسن والله في هذه الأبيات، وأساء إلى نفسه.


ثمّ أمر معاوية أن يحضروا سعاد إلى مجلسه، فأدخلت إليه، فإذا بامرأة فائقة الحسن والجمال، لا تبقي لناظرها عقلاً من حسنها وكمالها. فأعجب بها وتحوّل إلى جلسائه يقول: والله إنّ هذه الجّارية لكاملة الخلق، فلئن كملت لها النّعمة مع حسن الصّفة، فقد كملت النّعمة لمالكها. إذ ذاك؛ أمرها أن تتحدث، حتى يستبين صوتها وفصاحتها، فإذا هي من أفصح نساء العرب. ثمّ قال: أحضروا الأعرابي!


فلمّا وقف الأعرابي بين يديه، قال له: هل لك عنها من سلوٍ، وأعوّضك ثلاث جوارٍ أبكارٍ، مع كلّ جاريةٍ منهنٍ ألف درهمٍ، وعلى كلّ واحدةٍ منهنّ عشرة أطقم من الدّيباج والحرير والكتّان، وأمنحك وإياهن من العطايا والنفقات ما يمنح لسائر المسلمين؟


فما أتمّ معاوية كلامه إلا وقد أغشي على الأعرابيّ، وشهق شهقةً ظنّ أمير المؤمنين أنّه قد مات منها. ولّما أفاق سأله الخليفة وبراءة الأطفال في عينيه: ما بالك يا أعرابي؟ فأجاب: شرّ بالٍ، وأسوأ حالٍ. أعوذ بعدلك يا أمير المؤمنين من جور مروان:


لا تجعلني هداك الله مـن مـلكٍ            كالمستجير من الرّمضاء بالـنّـارِ
أردد سعاد على حرّان مكتـئـبٍ          يمسي ويصبح في همٍّ وتذكـارِ
قد شـفّـه قـلـقٌ مـا مـثلـه قلقٌ            وأسـعر الـقـلب منه أيّ إسعـارِ
والله والله لا أنــسـى مـحـبّـتهـا        حتّى أغيّب في قبري وأحجاري
كيف السّلـوّ وقد هام الفؤاد بها         فـإن فـعـلـت فـإني غير كـفّـارِ


ثم أردف الأعرابي مستجديا خليفة المسلمين وقال: والله يا أمير المؤمنين لو أعطيتني كلّ ما احتوته الخلافة ما رضيت به دون سعاد:


فأجمل بفضلك وافعل فعل ذي كرمٍ      لا فعل غيرك فعل اللؤم والعارِ


فأجابه معاوية محتداً: يا أعرابي!


إنك مقرٌّ عندنا أنّك قد طلّقتها، وقد بانت منك ومن مروان، وإني سأخيّرها بيننا.. فوافق الرجل من فوره. إذ ذاك؛ تحوّل معاوية نحو المرأة وسألها في ثقة وغرور: يا سعاد! أيّنا أحبّ إليك؟ أمير المؤمنين في عزّه وشرفه وقصوره، أو مروان في غصبه واعتدائه، أم هذا الأعرابي في جوعه وفقره؟


فتوجهت سعاد بناظريها نحو ابن عمّها وقالت:


هذا وإن كان في جوعٍ وأطمار            أعزّ عندي من أهلي ومن جاري
وصاحب التّاج أو مروان عامـلـه       وكـلّ ذي درهـمٍ مـنهم وديـنـارِ


ثمّ أردفت: لست، والله، يا أمير المؤمنين لحدثان الزمان بخاذلته، ولقد كانت لي معه صحبة جميلة، وأنا أحقّ من صبر معه على السّرّاء والضّرّاء، وعلى الشّدّة والرّخاء، وعلى العافية والبلاء، وعلى القسم الذي كتب الله لي معه.


فأعجب معاوية ومن معه من جلسائه من عقلها وكمالها ومروءتها، أو لعله أحرج من تفضيلها الأعرابي الحافي عليه وهو خليفة المسلمين، وعلى عامله، أمير المدينة، وأمر لها بعشرة آلاف درهمٍ.


انتهت حكاية المرأة المخلصة لزوجها، وبقيت لنا كلمة:


قبل سنوات قليلة من مشهد تلويح معاوية للمرأة بقصوره وأمواله وملكه، ومحاولة إغراء الأعرابي بالأبكار من الجواري والآلاف من الدراهم، وأطقم الحرير والديباج، ذهبت فاطمة بنت قيس تستشير النبي محمد ? في أمر خطبة معاوية بن أبي سفيان لها، فأمرها بألا تتزوج منه، وعلل رفضه لتلك الزيجة بالقول: «إن معاوية صعلوك لا مال له»!


والحديث عن النبي وقوله في معاوية أورده الإمام مسلم في صحيحه، وورد في سنن الترمذي، وسنن النسائي، وذكره الإمام مالك في الموطأ.


المصادر:
أخبار النساء لـ ابن الجوزي. من صـ 12 لـ صـ 20.
منهاج السنة لـ ابن تيمية. المجلد الخامس صـ 145.