كتاب| نساء معقدات.. عن الجنس والرقابة في هوليوود
لهذا الكتاب عنوان يحتاج إلى توضيح فلسفي فوق العادة، فالمقصود به السمو فوق العادات والتقاليد، وإعطاء التمرد أبعادا اجتماعية، وليس فقط تقديمه كحاجة شخصية أو فردية، كتاب "نساء معقدات: الجنس والقوة في هوليوود ما قبل الشفرة" Complicated Women —Sex and Power in Pre-Code Hollywood، للناقد الأمريكي "ميك لاسال".
الشفرة هي مجموعة الخطوط والإرشادات، التي حكمت إنتاج الأفلام في أمريكا خلال فترة زمنية، حين أقرته جمعية منتجي وموزعي الفيلم MPPDA عام 1930، وبدأت تنفيذه عام 1934، وهذه الشفرة تحدد بوضوح ما هو مقبول وغير مقبول أخلاقيا، لتقديمه على الشاشة في هوليوود.

ففي فترة ما قبل الشفرة، كانت الأفلام تأخذ منحى غير أخلاقي في نظر بعض المحافظين، فقد رأوها تروج للرذيلة وتمجد العنف، وكنتيجة طبيعية نشأ عدد هائل من لجان الرقابة المحلية في الولايات الأمريكية، ما حدا بالمنتجين للمسارعة في ترتيب بيتهم من الداخل خوفا من أي تحرك حكومي في هذا الجانب.
"ميك لاسال" ناقد أمريكي في "سان فرانسيسكو كرونيكل"، ومحاضر في جامعة كاليفورنيا عن حقبة أفلام هوليوود ما قبل الشفرة أو الرقابة، والذي جاء بما يستحق أن نطلق عليه "تفجير الرقابة من الداخل"، فهو يرى أن توصياتها صدرت أساسا من أجل حرمان النساء من الحياة المرحة، ومحاولة لإعادة المرأة إلى المطبخ.
وقال لاسال، "الرقابة معاداة للفن والمرأة"، لكنه لا يخفي أن غرضه الرئيسي هو الاحتفاء بعصر لم يستمر طويلا لنساء معقدات، كالأفلام الأولي لـ"مارلين ديتريتش" و"ميرنا لوي" وأخريات، مقدما اعترافا يتمنى ألا يكون قد فات موعده لشخصيات نسائية مستقلة وقوية ظهرت في أفلام هوليوود ما قبل الرقابة، حين كانت تلك الأفلام مليئة بنساء ذكيات معتمدات على أنفسهن، ومستقلات أكثر من أي أحد آخر، وهي فترة هيمنة النجمات ذات الطاقة العالية والقوة غير العادية، أمثال "ماي ويست" و"جريتا جاربو" و"نورما شيرر" و"جوان كراوفورد" و"بيت ديفيس" و"كلوديت كولبيرت"، ويقدم بنفاذ بصيرة مشاهد مقتبسة من أفلام ما قبل الرقابة، ويعيد تقييم نساء عظيمات عرفناهم في أوائل الثلاثينيات.

قصة الرقابة في هوليوود
في أوائل عقد العشرينيات، تلاحقت بعض الأحداث التي عجلت بفرض الرقابة، كانت هناك محاكمة لممثل الكوميديا "روسكو آربوكل" بتهمة القتل الخطأ، وجريمة قتل المخرج والممثل "ويليام ديزموند تايلور"، وظهور بعض المفاجآت التي تخص أسلوب حياته، ووفاة الممثل "والاس ريد"، ذات العلاقة بالمخدرات.
حدوث تلك القصص بالتوازي، وفي الوقت نفسه، شكلت هزة عنيفة لمجتمع هوليوود، جعلها تتصدر العناوين لوقت طويل، ما أفرز ضجة عامة على أسلوب الحياة الجريء داخل مجتمع وأفلام هوليوود، وأدى ذلك إلى تكوين جمعية منتجي وموزعي الفيلم عام 1922، وكنية لتقديم وجه مشرق لتلك الجمعية تولى رئاستها "ويل اتش. هيس"، الذي شغل من قبل مدير البريد الأمريكي، ومدير حملة الرئيس "وارين هاردينج". وتعهد "هيس" بفرض مجموعة من المعايير الأخلاقية على الأفلام، كانت محور عمله لما يقرب من 8 سنوات قضاها في العمل.
مع بزوغ فجر الأفلام الناطقة عام 1927، كان هناك إحساس عام بأن السينما تحتاج لإعادة صياغة كود الإنتاج، تلك الصياغة ظهرت في عام 1930، وإن لم تضم بنودا ملزمة، واصطلح تسميتها بـ"شفرة هيس".
لكن النقد المستمر من الجماعات المحافظة للعرقية والعنف في الأفلام الأمريكية، مارس ضغطا على جمعية المنتجين والموزعين لتشديد الشفرة، وكانت إحدى تلك التعديلات التي أدخلت عليها عام 1934، كضرورة حصول الأفلام على شهادة من الرقابة قبل الإفراج عنها للعرض.
كان "جوزيف برين" رئيسا لإدارة شفرة الإنتاج في ذلك الوقت، ولأن هناك اتجاه عام ناحية تقويض الأفلام، ظهرت في العام نفسه رابطة الكاثوليك للحشمة، التي وضعت قائمة بالأفلام التي يجب على الكاثوليك مقاطعتها، ما رآه البعض تدعيما لدور شفرة الإنتاج.
تحت رئاسة "برين" أصبح تنفيذ شفرة الإنتاج قاسٍ وسيء السمعة، فقد حظرت الشفرة وقتها الإقدام على ذكر المخدرات المحظورة والشذوذ الجنسي، أو حتى الجنس خارج إطار العلاقة الزوجية، وكذلك الحديث عن العهر والدعارة، ووضعت بنودا قاسية تمنع الرقص إن كان يحمل إيحاء ما، ومنع السخرية من الأديان والتجديف.

تحية جريئة لنساء أكثر جرأة
يتحدث الكتاب عن سنوات النصف الأول للثلاثينيات، بين عامي 1929 و1934، التى تفصل ما بين وصول السينما الناطقة لكامل طاقتها التقنية، وما بين صدور الشفرة الأخلاقية، التي قننت معايير رقابية صارمة على هوليوود، ففي تلك الفترة كانت الشخصيات النسائية على الشاشة تتكلم بفظاظة، وتتبني العدوانية والجرأة الجنسية، وتميل نحو الاستقلالية، وتحت ضغط من الكنيسة والجماعات المحلية، جاءت شفرة الإنتاج، التي ظل تأثيرها حتى أواخر الستينيات.

في الواقع، يعد الكتاب تحية جريئة لـ"جريتا جاربو" و"نورما شيرر"، اللتان تعدان النموذج الأمثل، الذي استحوذ على الكتاب بدءا من غلافه، واللتان قدمهما المؤلف على امتداد الكتاب كرمز لتمرد المرأة العادية، وشكل من اقتباسات حوارات أفلامهما ولقاءاتهما عقدا فريدا للتعبير عن مضمون الكتاب، مثل: "لقد ماتت أخلاقيات الماضى يوم ولدت"، و"لقد وضع الاستقلال الاقتصادي المرأة على قدم المساواة مع الرجل"، بل ويعلق المؤلف: "هذا ليس قولا لـ"چيرمين جريير" داعية حقوق المرأة الشهيرة في السبعينيات، إنما لـ "نورما شيرر" في عام 1932.
يعتقد الكتاب أيضا أن أكثر أفلام نجمات العصر الذهبي إثارة وتميزا، أمثال "لوريتا يونج" و"باربرا ستانويك" و"مارلين دييتريتش"، هى ما جاءت قبل صدور الشفرة وليس بعدها، وذلك على عكس الاعتقاد السائد بأن شهرتهن والاعتراف بهن قد تزايد باضطراد كبير فيما بعد ذلك، حيث صنعن أفلامهن الأكثر خلودا.
فى تلك الأفلام المبكرة كن نسوة معقدات تحتفي الأفلام بأرواحهن الحرة، ولا تعاقبهن عليها كما أصبح يحدث بعد ذلك، وبالطبع يسوق الكتاب تحليلات لعشرات الأفلام، من فترة ما قبل الشفرة، تبين تمجيدها لذكاء المرأة وتحررها وسعيها للسعادة واستقلالها الجنسي والأسري والاجتماعي، وهى أمور انتكست بشدة بعد ذلك، فلم يعد مسموحا بالعري أو حتى كون المرأة السوية غير متزوجة على الشاشة.
يتبقى أن نقول أن هوليوود ظلت تعمل ضمن إطار تلك الشفرة الرقابية حتى أواخر الخمسينيات، حتى بدأت السينما تواجه تهديدا تقنيا كبيرا من التليفزيون، الوافد الجديد الذي جعل قسما كبيرا من المشاهدين يفضلون الجلوس أمامه عن خروجهم للسينما. ومع مرور الوقت بدأ بعض كبار المنتجين تحدي تلك الشفرة في أفلامهم، وما إن جاء منتصف الستينيات حتى بدأ هجر ذلك النظام تدريجيا، إلى أن تم الاستغناء عنه في عام 1967. وبدأت جمعية الفيلم الأمريكية MPAA العمل على نظام تعيير رقابي جديد، يعتمد على تحديد الأعمار المناسبة لدخول الفيلم، والذي ظل معمولا به حتى الآن، فهو على الأقل لا يسلب السينما انفتاحها وحريتها.