قصر السكاكيني .. إبداع و إهمال
رفقاً بكل ما هو جميل
الإبداع في بناء قصر "السكاكيني" ينبئ عن تاريخ مُبدعٍ لهذا القصر، فهو من أقدم قصور القاهرة يقع وسط القاهرة، تحديداً في حي الظاهر بالميدان المعروف باسم القصر "ميدان السكاكيني"، بناه حبيب باشا السكاكيني عام 1897، ويبدو للوهلة الأولى لأي عابر سبيل أنه بات يعاني من الإهمال الشديد سواء من خارجه أو داخله، شأنه في ذلك شأن عشرات البنايات المتهالكة المحيطة به، لدرجة أنك يمكن أن تمر بالميدان من دون أن تلحظ وجود هذا القصر خاصةً ليلاً، حيث يختفي في عتمة الميدان على الرغم من أنه مصنف ضمن آثار القاهرة، بل وتتخذه منطقة آثار وسط القاهرة مقراً إدارياً لها.
سُميت المنطقة بعد بناء القصر على اسم صاحب القصر حبيب باشا السكاكيني ( جابرييل حبيب السكاكيني)، فهو من مواليد دمشق بسوريا وصل لمصر بعمر يتراوح بين 16-17 عاماً ليتولى وظيفة بشركة قناة السويس الوليدة في بورسعيد.
يُقال إن حبيب السكاكيني جذب اهتمام الخديوي إسماعيل، عندما صدر بواسطة الشحن على الجمال طرود من القطط الجائعة إلى المنطقة التي تنتشر فيها الفئران في قناة السويس، وفي غضون أيام تم حل مشكلة هذا الوباء من القوارض، ونظرًا لقدرته على الحل السريع والابتكار والمبادرة قام الخديوي باستخدامه، وكلفه بمهمة شاقة وهي استكمال بناء الأوبرا الخديوية، وأصبح يعمل تحت يد المعماري الإيطالي Pietro Avoscani، وانتهت أعمال بناء دا الأوبرا في الوقت المناسب لوصول وزيارة الملوك الأوربيين إلى مصر لحضور أفخم احتفال لافتتاح قناة السويس في 17 نوفمبر 1869.
كان الخديوي سخيا بطريقة لا حدود لها، وكان البناء وعقود الأشغال العامة لا يُمكن أن تفشل لأنها تدار بواسطة وعلى طريقة "السكاكيني"، وحين أتم السكاكيني 39 عاماً نال اللقب العثماني "بك "، أصبح في النهاية من المقاولين الأثرياء في ذلك الزمان، واشترك في دور بارز في أعمال حفر قناة السويس، وقد بني القصر على قطعة أرض منحت له على بركة أرض تسمى الشيخ قمر يحيى الظاهر.
عمارة القصر:
شيد القصر على الطراز الإيطالي بنته شركة إيطالية كلفها حبيب باشا السكاكيني، واشترط عليها أن يكون القصر نسخة مطابقة لقصر شاهده في إيطاليا، وقد اختار لقصره موقعًا جذابًا يتشعب منه ثمانية طرق رئيسية، وبالتالي أصبح القصر نقطة مركزية في المنطقة، ولم يكن الحصول على مثل هذا الموقع سهلاً في ذلك الوقت، لكن علاقة السكاكيني باشا مع الخديوي أزالت كل العقبات.
إذا نظرت الآن للقصر بقبابه مخروطية الشكل، وتصميمه العائد للعصور الوسطى، تشعر أنه في غير مكانه وسط المباني الحديثة والقديمة وهذا الزحام الشديد الذي لن يعطيك أبداً الانطباع الصحيح عن مساحته الشاسعة التي تبلغ 2698 مترا مربعا، ويضم أكثر من أربعمائة نافذة وباب، إضافة إلى ثلاثمائة تمثال، منها تمثال نصفي لحبيب باشا السكاكيني بأعلى المدخل الرئيسي للقصر.
تحول القصر الذي كان بمثابة لوحة فنية نادرة إلى خرابة أشباح وحشرات وباعة جائلين ومجارٍ ومخدرات، وسط رحلة تبعية القصر من جهة إلى أخرى بعد تنازل الورثة عن القصر للحكومة، باعتباره تحفة معمارية تستحق أن تكون مزاراً سياحياً.
وعانى القصر من الإهمال الشديد، حتى بعد أن حصل على منحة لترميمه رمم وصبغ من الخارج و ظل الداخل متهالك.
من أشهر الأعمال التي تم تصويرها بقصر السكاكيني فيلم " هي فوضى"، وفيلم " عمارة يعقوبيان" ومسلسل "سر علني"، وإعلان جهينة بيور الذي قدمته سيرين عبدالنور، كما كان يفتح القصر في السابق لطلبة كلية الفنون الجميلة وطلبة كلية الآثار من فترة لأخرى لدراسة اللوحات الفنية والزخارف والآثار الموجودة بالداخل.
أليس خسارة أن يتحول هذا القصر العريق إلى خرابة، ولا أحد من المسؤولين في وزارة الآثار يوليه اهتمامًا، مع أن المصيبة هو مقر ليهم فقد تعرض القصر للنهب والسرقة أكثر من مرة، ولو كان هذا القصر في إحدى البلدان الغربية، لكان له شأن آخر أو حتى في إحدى البلدان الخليجية التي تسعى للتمسك وبناء تاريخ من أي شيء أي شيء قديم لتخبر العالم أن لها تاريخ.. خسارة بجد وهل تتقدم الأمم دون المحافظة على التاريخ !!
