التوقيت الأحد، 05 أبريل 2026
التوقيت 11:56 ص , بتوقيت القاهرة

فيديو| بـ"نيو لوك".. قصة مركز تجميل أسعد دار مسنين في عيد الأم

أكل الزمن أعمارهن، وحش الوحدة يتربص بهن كل يوم، عليهن أن يتعايشن معه برضى تام، لا أحد يشعر بما يشعرن به كل ليلة، الأكيد أنهن يفقدن الحياة والونس، كأنهن أنجبن القسّوة، أصبحن يتسترن بظلال الذكريات كغرباء لم يعرفهن أحد يومًا ما.


مع عيد الأم في كل عام، تستقبل تجاعيد العمر الذي مضى لكل منهن نسمات الصباح كيوم عابر مع تقاسيم الماضي، لكن هذا العام حمل عيد الأم لمسنات دار"المسنين الألماني بيليتزاوز هايم " في منطقة سلطان حسين في محافظة الأسكندرية هدايا من نوع آخر!


واحد من أشهر مراكز التجميل بالأسكندرية، تمتلكه كويتية مقيمة في مصر منذ 17 عاما، ققرر عمل نيولوك للمسنات في الدار المذكورة، قصات جديدة، عناية بالبشرة، وأخيرا مانيكير وباديكير، احتفالا بالمناسبة التي تنتظرها كل أم.


هدايا تتحدى الزمن، رافضة أن تفترش تجاعيدهن العمر المُتبقي بلا ضحكة ناصعة البياض، وإحساس أنثوي غامر لملامح بلا ندوب الخذلان أو تشوهات لقلوب يسكنها الحزن، بعد أن خضعت كل منهن لجلسة تجميل خاصة كهدية غير مُتوقعة في عيدها.



دار بليتزاوزهايم للمسنات بالأسكندرية .


أحد أفراد مركز التجميل يصفف شعر إحدى المسنات


وجوه لم يغادرها الجمال


تقول كريستينا كلاوديا والتي تفضل أن تذكر اسمها بكلمة " sister الأخت أو الراهبة" وهي مديرة الدار منذ أكثر من عشر سنوات لـ"دوت مصر": تجربة عيد الأم هذا العام مختلفة بكل تأكيد، فلقد عاصرت احتفاليات كثيرة على مدار السنوات الماضية، لم تكن بهذا القدر من الحب والفرح والسعادة، كانت كلها جميلة، لكن هذا العام الاحتفالية هي الأجمل عن حق، فالدار اليوم بها 87 نزيلة، لم أراهن سعيدات بهذا القدر من قبل".


كريستينا المصرية  ذات الأصول الصعيدية كذلك، وهو عكس ما كان متوقعًا من احتمالية كونها تحمل الجنسية الألمانية بسبب لكنتها المصرية "المكسرة"، كانت تعمل حتى سن 25 كمدرسة للغة الألمانية في المدرسة الألمانية بباب اللوق، ومن بعدها انتقلت للدار الأعرق والأقدم في الاسكندرية قالت: لقد أنشئت هذه الدار منذ أكثر من 117 سنة، وعلى مدار تلك السنين حملت أروقة الدار قصصًا إنسانية نادرة، وحياة فوق الحياة، لهذا كلما كانت فرحتهن مضاعفة وغير متوقعة، كلما كانت نفسياتهن أكثر قدرة على تحمل الأيام.


إحدى نزيلات دار المسنين في اللوك الجديدالأيادي الطيبة تمنح الحياة


 قصات جديدة وضحكات تغازل الشمس


هدايا عيد الأم لجميلات الدار هذه المرة كانت تغازل أنوثتهن الغائبة بفعل الحنين إلى من أحبوا يومًا ما وتركوهن بمفردهن، قصات شعر جديدة ومختلفة، صبغات لشيب العمر وتفاصيله، جلسات تنظيف للبشرة التي عانقها الزمن، جلسات "مانيكير وباديكير" بألوان زاهية تشبه ربيع العمر الذي ولى لأيادٍ مازالت تحمل أخاديد أصابعها إجابات لأسئلة مؤلمة أبسطها "ماذا أفعل هنا وحدي"؟.


تكمل كرسيتينا إحدى مسؤولات الدار قائلة: "الفرحة الغامرة والضحكات التي انطلقت في كل أرجاء الدار خلال عملية تجميلهن، كانت كفيلة بأن تزرع بدل غيمات الشتاء في مدينة الاسكندرية زهورًا تتفتح بضحكاتهن وسعادتهن، وكأن شمس جديدة أعلنت عن قدومها، لقد تحول المكان فجأة لطاقة نور وفرح ومرح، وكل واحدة منهن تتغزل في زميلتها التي اصبح شكلها مختلفًا بعد صبغة الشعر الجديدة، أو القصة المختلفة لشعرها " النيولوك"، ثم أخذت تحكي كل واحدة للأخرى ذكرياتها مع أول مرة ذهبت فيها للكوافير، وكيف كان مصير يدها وهي ملطخة "بالمانيكير" لأول مرة حينما كانت صغيرة، فيضحك الجميع من قلبه."


وأضافت: "نعم كل تنهيدة وجع حُبست في صدورهن على مدار الأعوام الماضية، تحولت لذكريات سعيدة ، طفولية ، بل إن البعض منهن طلب الوانًا زاهية لأظافرهن، وتمسكن بإطالة النظر للمرآة بعد جلسات تنظيف البشرة والضحكة لا تفارقهن حتى وإن كانت بدون اسنان .


آمال.. تصنع آمالًا 


بالرغم من اعاقتها امال تؤلف 5 كتب


 كانت تنظر زفافها على عتبات السماء، لكنها الآن ارتضت أن تفترش تجاعيد امرأة ستينية تفاصيلها، بضحكة مُجعدة للعمر المُتبقي في الدار، بكلمات ليست كالكلمات تحدت الجميع، إنها "آمال عزمي" التي استطاعت وهي في دار المسنين على الرغم من اعاقتها " شلل رباعي وضمور " أن تؤلف 5 كتب دفعة واحدة، من خلال ما يرويه خيالها، ثم يقوم أحد أفراد عائلتها في كل زيارة بكتابة ما تقول، فكانت النتيجة 5 كتب عن الحياة بتفصيل مختلفة، وعين رأت الدنيا من شباك مختلف، وكتب عن القيم الانسانية في أبهى صورها كالتسامح ، جمال الدنيا ، تجربتها الخاصة في الدار"


احدى الجميلات مع السيدة منال الحبيب والابتسامة بطلًا للوقت .


95  عامًا وهي من تسألني "ازيك"؟


 في الصباح الباكر كانت  تتنسم الحياة بوجه مرت على وجنتيه أخاديد التجارب وأحزانها فحفرت نقوشًا لا تنمحي وخرائط لا تخطأها العين .. لكن عينيها كانت تلمع كقطة برية شرسة .. تستقبل رذاذ المطر بعنفوان يراهن على قصرها وسخافتها.. في عينين لم تكن لمجرد امرأة عجوز تخطى عمرها ال 95  عامًا، بل عينان تحكي تجربة حياة وتطلق مشاعرها الصامتة كأيقونة بقاء في ظلال ضوء مازال يعيطها دربًا تراه، ومع ذلك كله تسألني بكل بساطة حينما جلست أمامها لأصفف شعرها" ازيك "؟، كهذا وصفت إحدى فتيات فريق العمل الذي تولى تجميل " الجميلات" قائلة:" لم تكن تستطيع الكلام، لكننا فهمنا ما تقوله من "حركة الشفاة"، لأندهش جدًا، حينما كانت هي من بادرتني بالسؤال عندما جلست أمامها لكي اصفف لها شعرها قائلة لي :"ازيك" ؟، كان حوار انساني قصير من نوع خاص، زمن مع الزمن ، وعمر مع عمر آخر تفصله عقود طويلة، كان بريق عينيها به شيء لم تستطع أن تهزمه السنوات، وحينما انتهينا من العمل، ازدادت لمعتهما، وضحكتها كانت تغازل القمر، و" على فكرة كان اسمها بهية "، وهي فعًلا اسم على مسمى.


أحد اعضاء فريق العمل يقبّل رأس احدى الأمهات عرفانًا و امتنانًا


وتضيف قائلة: من الحالات الإنسانية الصعبة كذلك، سيدة انيقة للغاية تبدو كأميرة في حركتها وكلامها واناقتها ايضًا، تجاوز عمرها الثمانون عامًا، وحينما تكلمت معها عرفت أنها كانت مدرسة للغة الانجليزية في احد  اعرق المدارس السكندرية في الخمسينيات ، وكانت تحكي لي عن جمال الموضة في تلك الفترة والاتيكيت والسينما ، وحينما انتهينا من تقليم اظافرها كانت سعيدة للغاية كطفلة منحوها هدية جميلة في ليلة عيد ."


طلاء اظافر الجميلة ونظرة تقول كل شيء !


عندما يتحدى الزهايمر غدر الابن وزوجته 


عيناها الواسعتين لازالتا لا تصدقان ما حدث، مفتوحتان على آخرهما بكل دهشة  لسؤال تخجل الشفاة أن تجيبه " كيف حدث هذا"؟  و وحده الزهايمر كان الإجابة، الإجابة بالنسيان من هول الصدمة، تحكي كريستينا " مديرة الدار" عن اصعب الحالات الانسانية التي ترقد في  الدار بلا مُعيل، عن تجربة هذه الأم المغدورة قائلة:" كانت من سيدات المجتمع السكندري، ارستقراطية  الطلة، انيقة الجمال، وفجأة يتآمر عليها ابنها مع زوجته و يجردانها من فيلاتها الكبيرة ومجوهراتها وكل ما تملك ويليقان بها في الدار لكي يستمتعا بحصاد عمرها وحدهما !


مضيفة:" لقد فوجئنا بمرور الأيام انها بدأت تعاني من فقدان للذاكرة ، التوهان،  الاكتئاب، وقد شخص الأطباء حالتها بأنها بدأت تعاني من الزهايمر ".


فريق عمل مركز التجميل : نحن هنا علشان تدلعوا وبس !


منال الحبيب.. "الكويتية التي عشقت الاسكندرية ومُسنيها


من المفاجآت المُدهشة في هذه التجربة الإنسانية الخالصة، أن مركز التجميل Miss One Beauty  الذي قام باسعاد قلوب هؤلاء الأمهات والجدات مجانًا، تملكه السيدة منال الحبيب "كويتية الجنسية" التي عشقت مصر و الأسكندرية على وجه التحديد و قررت الإقامة بها منذ اكثر من 17 عامًا، حيث تقول منال" لدوت مصر": منذ طفولتي كنت أزور مصر مع عائلتي كل عام في  فترة الإجازات، إلى أن وقعت في حبها وعلى وجه الخصوص "الاسكندرية الماريا"، و بالفعل نقلت اقامتي بالكامل منذ عام 2000 إلى مدينة الاسكندر أنا وعائلتي الصغيرة، واشتريت منزلًا وانشأت مركزًا للتجميل، وحينما عرفت بمبادرة الاحتفال بعيد الأم هذا العام بطريقة مختلفة، قررنا أن يكون تجميل" الجميلات" مرة اخرى هي هديتنا لهم، وأنا مصممة على توصيفهن" بالجميلات" مهما تقدم بهن العمر، ففي اصعب الظروف  و رغم كل الضغوط المحيطة بنا جميعًا ، إلا أن زيارتهن لأجل رسم الابتسامة علي وجوة تشتاق للسعادة والفرحة منذ زمن بعيد كانت كفيلة بأن تغسل الحزن في قلوبنا وأن تذكرنا أن هذه الدنيا ممكن أن ترفعك إلى أعلى المقامات وفجأة تكون في اسفلها وحيدًا بغمضة عين ، إنهن امهاتنا وجداتنا العزيزات كلنا".


تصفيف الشعر من جديد وترتيب الذكريات من جديد


حكايات الوجع


في العادة حينما تُسلم المرأة رأسها لمصفف الشعر أو" الكوافير"، فهي تبدأ بالثرثرة و رواية الحكايات بشكل عشوائي  كجلسات فضفضة من هموم الحياة، فماذا حكت الأمهات بين يدّي مصففي الشعر لأول مرة منذ عقود طويلة لهن بالدار ؟ الأمهات اللاتي هرب ابنائهن في ليلة معتمة المشاعر لكنهم بكل اسف لم يأخذوا معهم الذكريات.. تقول منال:" قبل أن نذهب كفريق عمل، جلست معهم وقلت لهم أن عليكم أن تتعاملوا معهن بشكل مختلف، فهن ليسوا كزبونات أي مركز تجميل، هن يحملّن وجعًا من نوع خاص، لا تتركوا لهن المجال لاجترار الذكريات، لا نريد أن نفتح جروحًا بالتأكيد لم تندمل بعد، فكل واحدة منهن لديها جُرح، لديها وجع، و وراءها حكاية طويلة، لهذا تعمد فريق العمل "7 " من امهر مصففي الشعر والعناية بتجميل البشرة أن تكون النكت  والضحكات والحكايات المسلية فقط هي بطل الوقت معهن، تعاملن معهن كما الأطفال اللذين لا يجب أن يعيشوا إلا لحظات سعيدة، لم نسمح لدموعهن أن تجد مكانًا ، فنحن موجودين " علشان يدلعوا بس".


فريق عمل مركز التجميل الذي احتفل بعيد الأم بشكل مختلف مع نزيلات دار المسنين


تدوم الضحكة يا صاحبة السعادة


جولات تجميلية مجانية


الجميل في الأمر أن الجولات التجميلية لكل المُسنات لن تتوقف عند حدود مدينة الثغر، حيث تقول منال الحبيب :" السعادة الغامرة التي خرج بها فريق العمل ربما تكون اضعاف مضاعفة من سعادة تلك " الجميلات" ، لهذا اتفقنا على أن نكرر التجربة، وبالفعل تواصلنا مع العديد من مراكز التجميل في عدة محافظات أخرى لكي نشترك في تجميل "الجميلات" في عيدهن، وستكون المحطة القادمة لنا محافظة المنيا، كما اتفقنا كمجموعة من مراكز التجميل على أن نقوم بزيارة دار المسنات على فترات زمنية متقاربة ودون الاعتماد على وجود مناسبة معينة ، فالبهجة والفرحة التي شاهدتها في عيونهن لا تصفها الكلمات ولا توازيها اموال الدنيا كلها، هذا بالاضافة إلى كم الدعوات التي بلا حدود التي حصلنا عليها منهن لفريق العمل، فما الذي يمكن أن يوازي ذلك في الحقيقية ؟ الإجابة: لا شيء !


مروة حافظ - رئيس مؤسسة أنا مصراوية وسيلفي مع الجميلة


أنا مصراوية  "مسلمة أو مسيحية"  


تفاصيل عملية التنسيق مع بين دار" بليتزاوز الالمانية "و ما بين مركز التجميل كان حجز الزاوية بها مؤسسة "أنا مصراوية " للأعمال الخيرية، والتي تحملت مسئولية العمل المشترك مع مركز التجميل للاحتفال بمسنات الدار بطريقة مختلفة ، فضلًا عن الترتيب للجوالات التجميلية القادمة في باقي محافظات مصر، حيث تقول مروة حافظ  - رئيس مؤسسة أنا مصراوية  " لدوت مصر": لم نكن نتوقع أن يكون الاحتفال بعيد الأم بهذه الطريقة المُبتكرة سيعطي لهن كل هذه البهجة، لقد كان فريق عمل مركزا لتجميل يذهب لبعضهن في عنابرهن بعد أن منعت مشاكل السن بعضهن من التوجه إلى البهو الرئيسي للدار ، كان الجميع في حالة بهجة، وقدمت لنا مديرة الدار الأخت كريستينا كل الدعم و الوقت الكافي لكي يتنتهي الجميع من عمله، حيث قضينا اليوم كاملًا منذ الصباح الباكر في الدار"


اما الملفت للنظر كما تقول مروة: "كان من المدهش حقًا أن المُسنات في الدار مصرياتةو فقط ، تدخل غرفة أي منهن ، تجد المصحف على " الكوميدينو"  و صورة السيدة العذراء معلقة على الحائط  في وقت واحد في نفس المكان ، فلم نكن نفرق وقتها كفريق عمل ما بين المسلمة والمسيحية ، فالكل كان سعيد للغاية ويشترك الجميع في المساعدة  ولا توجد حالة واحدة لم تخضع للتجميل بمناسبة عيد الأم ، ولقد عرفنا بعد ذلك من "كريستينا" أن عدد المسلمات في الدار اكبر من عدد المسيحيات، أما الأجنبيات الجنسية ممن تبقين في الدار على مدار السنوات،  فلم يعد منهن سوى 5 تقريبًا، 3 ارمينيات، يونانية ، لبنانية، الكل سواسيه  والدار فعلًا تقدم لهم كل الرعاية والاهتمام،  و بالمناسبة الدار كانت قد حازت على شهادة تقدير من وزارة التضامن الاجتماعي لمستواه المتميز من خلال برنامج تقييم دور رعاية المسنين وفقًا لمعايير الجودة بوزارة التضامن الاجتماعي عام 2015 .


فريق عمل مؤسسة  أنا مصراوية أمام الدار