ختام أفضل لثلاثية انتظرنا منها أكثر في Hobbit The Battle of the Five Armies
سنوات عديدة من عمره الفني استثمرها المخرج والسيناريست "بيتر جاكسون" في ترجمة روايات "ج. ر. ر. تولكين" الخيالية لشاشة السينما. البعض يبدأ الإحصاء من عرض أول أفلام سلسلة The Lord of the Rings في 2001، لكن في الحقيقة بدأ جاكسون مشروعه في منتصف التسعينات، وأمضى وقتًا لا بأس به في محاولات مستميتة لإقناع أكبر استوديوهات في هوليوود بصناعة فيلمين عن روايات Lord of the Rings الثلاثة دون جدوى، قبل أن يجد ضالته أخيراً في الشركة المتواضعة "نيولاين" التي منحته الفرصة لصناعة ثلاثة أفلام بميزانية إجمالية قدرها 280 مليون دولار. ورد هو الجميل وأكثر، عندما منحهم ثلاثية حققت ما يقرب من 3 مليارات دولار في شباك التذاكر وحده، بالإضافة إلى 17 جائزة أوسكار.

كانت مسألة وقت فقط، قبل أن تنجح هوليوود في إعادة عالم "تولكين" إلى الشاشات، والبداية الأضمن ستكون حتماً مع The Hobbit السابقة في الأحداث للسلسلة. رواية "هوبيت" لا تتجاوز الـ 400 صفحة، وكان من المقرر فعلاً في البداية تحويلها إلى فيلم واحد، ثم أصبح التساؤل (لماذا تبيع تذكرة واحدة بدلاً من اثنتين؟)، وبعد تحضير سيناريو كامل لفيلمين فقط على يد المخرج والسيناريست المكسيكي "ديل تورو"، توصلت شركة "وارنر" لاتفاق جديد أخيراً مع "جاكسون"، الذي جعل التساؤل (ولماذا نبيع تذكرتين فقط بدلاً من ثلاثة؟)!
الكل اتفق تقريباً أن العيب الأساسي بخصوص الجزئين السابقين من (The Hobbit (2012 - 2013 يتركز في بطء الأحداث والمط والتطويل غير المبرر، والجزء الثالث المعروض حاليًا The Battle of the Five Armies في الحقيقة أسعد حظاً مما سبق بكل تأكيد، لأن مدة عرضه هي الأقصر على الإطلاق (144 دقيقة)، ولأن سقف توقعات الجمهور انخفض إلى حد كبير، وغالبًا هذا عامل ساعد في جعله أكثرهم متعة.
يبدأ "جاكسون" فيلمه ببداية ساخنة من حيث تركنا في الجزء الثاني تمامًا. التنين "سموج" يهاجم القرية الصغيرة في أحد أفضل مشاهد الأكشن خلال العام. مزيج ممتاز ومتكامل، عندما يُبدع الكل ابتداء من "بيندكت كامبرباتش" الذي منح صوته للتنين رعب وهيبة أكثر من شكله، مرورًا بفريق مؤثرات بصرية وديكورات ومونتاج وصوت، أتقن عمله إلى أقصى درجة، وصنع من لهيب التنين وأنقاض القرية المشتعلة، جهنم حقيقية في قاعة السينما، في لحظة ذهبية لا تتكرر كثيرًا في هوليوود، امتزجت فيها الدراما بالإبهار إلى أقصى درجة.

البداية الممتازة العاصفة تعشم بالكثير، مقارنة بالفيلم الأول الذي أضاع قرابة ساعة كاملة في مشهد تعارف بالشخصيات، لكن في النهاية نحن نتحدث عن ثلاثية تستغرق 8 ساعات على شاشة السينما، مُقتبسة من أقل من 400 صفحة، وسرعان ما يعود "بيتر جاكسون" لنفس ما عهدناه سابقاً. أشخاص تنظر إلى الكاميرا وتنطق بعبارات من نوعية (أخشى مما هو قادم) على خلفية موسيقى أوركسترالية متوجسة، تتواصل بمقطع آخر ينطق فيه آخرون عبارة من نوعية (هذة الخفافيش جاءت للحرب فقط)، تتواصل بمقطع آخر ينطق فيه آخرون عبارة من نوعية (لن نترك واحداً منهم حياً).

روح الثلاثية السابقة وعنصر الربط درامياً بين كل الشخصيات والأحداث، عندما يتوه المتفرج، كان "فرودو" أو إليجا وود. في ثلاثية Hobbit فاز جاكسون بممثل أرقى بمراحل، عندما اختار مارتن فريمان لدور "بيلبو باجينز". أداؤه الجيد يحقن أي مشهد في الثلاثية بالحياة إلى حد ما، عندما ينتزعها سيناريو "جاكسون" البطيء، لكن للأسف ظهوره هنا قليل، وهو ما أثر سلباً على الفيلم. يعوض ريتشارد أرميتاج أو "ثورين" العجز نسبيًا، وتمنحه أحداث الفيلم فرصة للتألق كممثل بشكل يفوق الأجزاء السابقة، لكن في النهاية كل هذا لا يكفي لانتشال الفيلم من مستنقع البطء درامياً.
يحاول جاكسون من وقت لآخر، كسر الإيقاع بقصة حب أو أزمة مفتعلة لأحد الشخصيات، لكن كل المحاولات هنا لا تصمد درامياً وتغيب عنها المصداقية، خصوصاً مع المستوى المتوسط للعديد وسط طاقم التمثيل. على صعيد آخر لا يزال العجوز جندالف أو آيان ماكلين محتفظ برونقه حتى وهو لا ينطق الكثير، وهو ما يمكن قوله أيضاً على ظهور كيت بلانشيت وكريستوفر لي.

كما خمنت من العنوان الجانبي للفيلم (معركة الجيوش الخمسة)، فكل هذا تمهيد لذروة ستشاهد فيها الكثير والكثير من الأكشن والإبهار. وفي هذة الجزئية لا يمكن نهائياً الطعن في الفيلم. جاكسون أحد العمالقة في إخراج المعارك واستخدام الجرافيك، وفي هذا الفيلم يصل للقمة وسط تاريخه، بغض النظر عن امكانياته المتوسطة في توظيف الـ 3D.
الأبطال تصارع مسوخ أعلى الجبال. على الجسور. على الأرض. تحت الأرض. أمام بوابات. داخل قصور. وسط أنقاض. خلف متاريس. فوق الجليد. مسوخ تسير. مسوخ تطير. مسوخ تركب مسوخ أخرى. مسوخ بسيوف. مسوخ بهراوات. مسوخ برماح. مسوخ بمجانيق. جن وعفاريت. أقزام. بشر. خفافيش. كل الأفكار والأشكال بلا استثناء استنزفها جاكسون في معركة متواصلة لمدة حوالى ساعة إلا ربع، ولولا طبيعة الفيلم والأحداث، لأضاف روبوتات وسيارات وغواصات ومركبات فضائية في محاولة لشحن فيلمه بمزيد من الأكشن!
المشاهد كلها من الناحية الحِرفية ممتازة إلى أقصى درجة، وممتعة لعشاق الأكشن والإبهار، لكنها في النهاية تثبت من جديد الحقيقة المُرة بخصوص السلسلة، وهى أننا أمام ثلث أخير من فيلم، تم مطه إلى أقصى درجة ليصبح فيلما كاملا مستقلا.

كل دقيقة في الفيلم تكلّفت أكثر من مليون دولار، وكل ثانية فيه تنطق بهذه التكلفة. الديكورات والملابس والمكياج تتكامل مع خلفيات الجرافيك، لتصنع عالما آخر كاملا متقنا إلى أقصى درجة. المسألة ليست إمكانيات فقط، وشاهد مثلاً فيلم المخرج "سام ريمي" السخيف Oz the Great and Powerful لتدرك الفرق.
هل أوصي بمشاهدة الفيلم؟.. هذا سؤال إجابته سهلة هذه المرة. كل من شاهد أول فيلمين في Hobbit يمكنه إجابة السؤال لنفسه، لأنه يعرف جيداً ما ينتظره. الفيلم الثالث بنفس المزايا (تقريباً)، ونفس العيوب أيضًا (حتى لو كانت بكمية أقل نسبياً). وإذا قررت فعلاً مشاهدته في السينما، فمن الحكمة أن تشاهده على شاشة الأيمكس، لأنها تمنحه أقصى درجات الإبهار المطلوبة في الصوت والصورة.

صنع بيتر جاكسون لأفلام Lord of the Rings نسخا مميزة أطول في مدة العرض من نسخ العرض السينمائي الأصلية (Extended Edition)، واحتفى بها الجمهور، بفضل المشاهد الإضافية الجيدة، ومن الغريب أنه كرر نفس التجربة، مع أول فيلمين من سلسلة هوبيت رغم شكوى المط والتطويل. ربما من الأجدر به بخصوص ثلاثية هوبيت التي تصل مدة عرضها الإجمالية لحوالي 8 ساعات، صناعة نسخة مختصرة (Short Edition) لنشاهد أخيراً فيلم هوبيت عظيم حوالي (4-5) ساعات، يقارن فعلاً بالثلاثية الأولى.
في نهاية الفيلم يختم "جاكسون" ثلاثية الهوبيت بمشهد رابط للثلاثية الأولى ممتع ومثير إلى حد كبير، ومع ظهور التترات شعرت بدرجة من الحزن. هل هو حزن لأن سلسلة الهوبيت انتهت، أم لأن السلسلة لا ترقى لسابقتها؟.. حتى الآن لا أعرف إجابة السؤال.

باختصار:
إذا كان الأكشن والإبهار غايتك، لا تدع هذا الفيلم يفوتك، لكن لا تنتظر ما هو أكثر من ذلك. ختام الـ Hobbit أفضل مما سبق، لكن لا يرقى إجمالاً لتغيير درجة تقييمك للسلسلة أياً كانت.
للتواصل مع الكاتب