مارسيل خليفة ومحمود درويش.. نشيد لا يموت
كتب- محب جميل:
الآن يمكننا أن نضع يدنا على هذا الجرح الغائر في الصدر من جهة اليسار، حيثُ خارطة فلسطين منقوشة على جدار القلب، ولأن المقاومة هي أحد وسائل الإنسان للدفاع عن هويته، فإن الموسيقى جزء من تلك الهوية، فها هو ابن الجنوب، المقبل من قرية "عمشيت" لأسرة لبنانية فقيرة، يملأ صوته أرجاء الدنيا، وتقشر ألحانه صدأ العدو المحتلّ. "مارسيل خليفة".. هو الصوت اللبناني الجنوبي الذي يحمل في طياته أصوات المناضلين وصرخات المعذبين وبكاء المضطهدين.
حمل مارسيل على عاتقه ثقل القضية الفلسطينية، منذ 30 عامًا، بعد اندلاع الحرب الأهلية ببيروت، كانت ألحانه دائمًا بمثابة قطعة الحجارة التي تُرمى في وجه المحتل، لم تكسره الأيام، أو تنفيه المطارات، لقد ظلّ الوطن حاضرًا بكل أشجاره من تين وزيتون في أغنياته، إن صوته حاضر في الذاكرة الجمعية العربية، لأنه يفتش بدواخلنا عن جوهر الإنسان، وأصالته بين الكرامة والخضوع.

بالرغم من الحضور البارز لنبرة المقاومة والتحدي في أغنيات مارسيل خليفة، إلا إننا لا يُمكننا أن ننكر ذلك الصوت الشفيف في أغانيه المرتبطة بالحنين (النوستالجيا) إلى شوارع فلسطين وأزقتها، فها هو مارسيل ينشد من كلمات الشاعر اللبناني "طلال حيدر" أغنية "سجر البن": لو نقدك كان مدينة/ وبالشام العُرس/ لأركب عالفرس وأجيبلك/ مفتاح القدس.
لكن الملاحظة الأهم في مسيرته الفنية، هي الصداقة التي ربطته بشاعر الأرض المحتلة "محمود درويش"، فإذا تخيلنا مارسيل هو عصفور فإن جناحيه هما محمود درويش، هذا الثنائي غيّر من قيمة الكلمة الثورية المغناة على مستوى الشكل والمضمون.
راح مارسيل يزيل الغبار عن حناجر المعذبين، يأخذ شربة ماء من قصائد درويش، ليسقي بها تلك الورود على أضرحة الشهداء، بكلمات تعبر عن فناء الموجودات المادية وبقاء الحسية، يغني مارسيل من كلمات درويش الخالدة: عندما يذهب الشهداء إلى النوم أصحو/ وأحرسهم من هواة الرثاء/ أقول لهم/ تصبحون على وطن/ من سحاب ومن شجر/ من سراب وماء.
أليست هذه الأمنية كفيلة بأن يتزاحم الشهداء في طوابيرهم؟
في عام 1999 انتهى مارسيل من ألبومه الأيقونة مع محمود درويش "وعود من العاصفة"، ورغم أن أغنيات هذا الألبوم لم تتجاوز 5، إلا أن كل أغنية تعد لوحة فنية؛ لوحة عن الاغتراب في ظل المطارات، لوحة عن قتل الحريات في أرض الجليل، وحبيبة درويش التي حالت بينهما البندقية "ريتا": بين ريتا وعيوني.. بندقية/ والذي يعرف ريتا، ينحني/ ويصلي/ لإله في العيون العسلية.
يقاتل مارسيل بعوده حتى اللحظة الأخيرة، لقد تحول هذا العود إلى بندقية كأن نتخيله في نصّ غسان كنفاني "عن الرجال والبنادق"، إنه يُسقط جنسيته السياسية ويبقي فقط الإنسانية، فهو كما يشدو "كل قلوب الناس جنسيتي".
لا بدَّ أن مارسيل ليس المغني الذي يقبل الخنوع والضعف، إنه يثور من أجل القضية، من أجل الندى على تراب فلسطين، ربما لأن وعوده لا تأتي سوى من العاصفة، العاصفة التي تعد بالأمل والنبيذ والأنخاب الجديدة وقوس قزح.
لقد استطاع أن ينقل الأغنية من الفردية إلى الجماعية، من القاعات المغلقة إلى الشوارع المفتوحة حيثُ الحوش الأكبر وقطع الصبار هي حناجر المقاومين الجارحة، وليست النوافذ المغلقة.
مستوى الخطاب عنده يأخذ طبقات عدّة أولها: كسر الحاجز بين المغني والمتلقي بحيث تصبح القصيدة المغناة جسدًا واحدًا يتلبسه كل منهما، ثانيًا شيوع النبرة الملحمية، فالنص الغنائي هنا الهدف منه الردّ وإعلاء الصوت بدلًا من تهميشه وتحجيمه، وأخيرًا الطلاء البيئي، فتأمل مفردات الأغنية لتجد أنها جميعًا تخرج من رحم مأساة واحدة.
فعندما يغني: سقطت كالورق الزائد/ أسراب العصافير/ لآبار الزمن/ وأنا أنتشل الأجنحة الزرقاء/ يا ريتا/ أنا من تحفر الأغلال في جلدي/ شكلًا للوطن، إنها الثورة من أجل الحرية، من أجل تفادي الرصاص، والأحلام المعطوبة، من أجل ألا تكون نهاية الأغنية ارتشاف القبلة من حدّ السكاكين.
صوت مارسيل تجتاحه الثورة، ثورة الإنسان المشغول بحلمه وكرامته، فالتفاصيل الصغيرة في متطلبات الحياة، والتي يكافح من أجلها، هي ثورة ناعمة في حدّ ذاتها، أليست خبز الأم وقهوتها الساخنة في الجليل، والتي تنتشلك الغربة بعيدًا عنها، وتكافح من أجل الفوز بها، هي ثورة ناعمة؟
أليست الأم في حدّ ذاتها هي عنوان للأرض والخصوبة المتجددة التي تتفجر منها الثورة؟ وماذا عن حبال الغسيل، إنها آخر ما تبقى من راحة الشهداء فوق سطح الدار، الحبال التي تعلق عليها ملابسهم، وأحلامهم التي رحلوا وتركوها بزرقة الجفون؟ وغطى عظامي بعشب/ تعمّد من طهر كعبكِ/ وشدي وثاقي بخصلة شعر/ بخيط يلوح في ذيل ثوبكِ
ربما يكون مارسيل خليفة هو نشيد ثوري لا يرتبط بالحيز المكاني أو الزماني؛ فعندما أطلق صيحته الشهيرة من كلمات عز الدين المناصرة "بالأخضر كفناه" أصبحت نشيدًا للثورات العربية منذ عام 2011، إنه التعبير المباشر عن جنائزية الموقف مع الشموخ والقامة المرتفعة، فها هو "سميح القاسم" يترك مع صوت مارسيل واحدة أكثر الأغنيات ثورية ونضالًا: منتصب القامة أمشي/ مرفوع المهمة أمشي/ في كفي قصفة زيتون/ وعلى كتفي نعشي/ قلبي قمر أحمر/ قلبي بستان/ فيه فيه العوسج/ فيه الريحان/ شفتاي سماء تمطر/ نارا حينا حُبا أحيان.
صوت مارسيل خليفة أشبه بقطعة الشوك المطلية بالعسل، عذوبته لا تنفي ثوريته، فبجانب هذا الإحساس العالي، هناك قطع من الشوك تزداد صلابتها بقوة الكلمات وعنفوانها.
إن جماليات الأداء الغنائي من جماليات النصّ الشعري، فلا يعرف مارسيل ما يُمكن أن ننعته بالابتذال والمبالغة، يختار كلماته بدقة كلمات تخرج كالسيل من دفاتر الراحل محمود درويش صوت الأرض، يغني بعلو صوته كحوت يشهق نافورة ماء في منتصف بركة صغيرة، يفيض العنف وإيقاع الثورة على الحاضرين، ثم يأخذهم جمال المشهد الكلي.
وعندما يرغب في الاستراحة يستريح كمحارب يترك درعه على الأرض، ويفترش اخضرار الحقول، أي رقة هنا تنبع من البيانو مع العود في نص يطير الحمام: أعدي لي الأرض كي أستريح/ فإني أحبك حتى التعب/ صباحك فاكهة للأغاني/ وهذا المساء ذهب
ومن المراحل الفارقة لمارسيل، تلك الثنائية مع الفنانة أميمة خليل، التي تظل رائعتها عن الخوف والحرب والحبس "عصفور طل من الشباك" من أغنيات الغربة والإقامة، عنفوان الطير مرتعش الأجنحة منكسر الجناح، والذي تأسره سطلة الخوف والرهبة.
وعلى نفس الدرب قطع الثنائي أغنيتهما "قمر المرايى" التي يفوح الأمل من كل جوانبها، مفردات بسيطة يلعب فيها بموسيقاه الحيوية على أشياء المفردات، فالقمر هنا رمز للنور والحلم الذي سيزيل ظلام الحرب ودخانها.
كانت الحلواية/ واقفة على المراية..تارى بالمراية عم يتخبى القمر/ طلت الحلواية/ وفتحت البرداية/ وياغيم اللي جاي وين هوى القمر/ قالت لها الحكاية أسرار مخباية/ مخباية مخباي أنواره القمر/ ورجعت الحلواية/ وبقلبها الحكاية/ ونامت على التكاية عم تحلم بالقمر/ نامي يا حلواية/ نامي بكرا جاي/ جاي جاي لعنا القمر

مارسيل خليفة مأخوذ بحلم المشترك، الذي يمكن تحقيقه مع الأصدقاء والإخوة، لكن هؤلاء الإخوة ربما تركوه وحيدًا في منتصف الطريق، إنه حال العربي في كل وقت وفي كل مكان، تعرض مارسيل خليفة للمثول أمام القضاء بتهمة إهانة الدين الإسلامي بعد أغنية "أنا يوسف" وبعد أن تم تبرئته، عاد لينشد مرة أخرى من أجل الحرية والسلام، من أجل نشيد الخبز والورد.
لا زلنا نذكر ذلك الأوبريت لأحمد العربي الذي غناه في بيروت من كلمات درويش في السبعينيات، غنائية مطولة تفيض بالجنائز والزعتر، بالحلم والانكسار، بافتراش الحقول ونوم الخنادق، وأغنية العابر الخفيف.
يمثل مارسيل جانبا مما يمكن أن يطلق عليه الفن الملتزم، هذا الفن الذي يولي اهتمامه للقضية والمعيار، ولا ينشغل بالأمور الجانبية أو القضايا الصغيرة التي يمكن الاستغناء عنها، وفي أحد أغانيه الخالدة يمكن أن نستشف ثورة الفنان على الثوابت وعنفوانه عندما ينشد بعلو صوته: أنا المترنح الصامد/ أنا المتراجع العائد/ أنا المتهدم الصاعد/ وأنا النهار المطفئ الشاهد/ من أول الصحراء حتى البحر/ ملحمتي التي انتظرت طويلًا قادمة/ ودمي اعتراض ثابت لا يلدغ ومقاومة
لكنّ هذه الذكريات، لا تنطفأ، تشتعل، تثور، وتحرق، وسيبقى مارسيل خليفة الثائر أبدا على خطوط الفن، ولأن هذا الفارس يصهل من دمشق حتى الأندلس، فإن زهر الليمون سيضيء له ملح دمه، وستقع ريحه عن الفرس، وتريات مارسيل هي سر الحكاية.