صلاح أبو سيف..واقعية مصرية من نبض المواطن
كتب- محب جميل:
أن ترى الواقع لا يعني أنك ترصده. كل التفاصيل مرهونة بعدسة الكاميرا الخاصة بك، أنت من تحركها في الفراغ، ومن يدخل بها الشوارع الضيقة، ومن يعكس بها وجوه الناس وحكايتهم المختلفة.
خلال حياته الفنية، حاول رائد الواقعية صلاح أبوسيف (10 مايو 1915-22 يونيو 1996) أن يلمس هذا الأثر، والذي بدأ ربما من خلال تعامله مع العمال بشركة الغزل والنسيج في المحلة الكبرى. عمل فيها أبوسيف لمدة ثلاث سنواتٍ، ليقوم بإخراج مسرحياته الأولى مع مجموعة من الهواة داخل الشركة.
فعل الصدفة
لم يدرك أبوسيف أن زيارة المخرج نيازي مصطفى إلى شركة الغزل والنسيج بالمحلة ستغير حياته الفنية، فاللقاء الأول الذي جمعهما عام 1936، انتهى بإدراك نيازي لموهبة أبوسيف العبقرية، ومن ثم نقله إلى إستديو مصر ليعمل بوحدة المونتاج، ليترأسه لمدة 10 سنوات. بعدها وتحديدًا في عام 1939 تعاون مع المخرج كمال سليم في الفيلم الواقعي الأول في السينما المصرية "العزيمة".
الناقدة إريكا ريشتر تقول إنه أستاذ الواقعية السينمائية المصرية، وتعتبر أفلامه بمثابة العمود الفقري لهذا الاتجاه، تلك الأفلام التي تستطيع من خلالها دراسة أهم المواضيع والأساليب والحلول الفنية التي يلجأ إليها الفيلم الواقعي في مصر للقضايا التي يواجهها ويتصدي لها.
فيلم العزيمة (1939) عمل أبوسيف مساعدًا للمخرج كمال سليم
كاميرا أبوسيف على الرغم من أنها الأكثر التصاقًا بالواقع، إلا أنها كانت ترغب دائمًا في التحرر وفي الانطلاق نحو مساحات أرحب. وعندما جاءه نص إحسان عبد القدوس "أنا حرَّة" ربما وجد ضالته في السير عكس الاتجاه، ووقفت لبنى عبد العزيز بثقة أمام الكاميرا.
مشهد فيلم أنا حرة (1959) أمينة (لبنى عبد العزيز) والست النمامة
مع فيلم "شباب امرأة" حاول أبوسيف مناطحة الخلود في فيلم جريء، يتناول إشكالية الغواية بين الشاب الريفي النازح من قريته والمرأة المتصابية التي تصارع من أجل الشهوة والحب. ويكفينا هنا موسيقى التمرد لفؤاد الظاهري.
لكن أهم المحطات في حياة أبوسيف، تلك التجربة المشتركة التي خاضها مع العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ والفنانة لبنى عبدالعزيز، حول مأساة الحب الأول وكيفية التخلص منها في فيلم "الوسادة الخالية". وفي واحدة من أكثر مشاهد الفيلم التصاقًا بالذاكرة، غنى حليم "تخونوه" بلحن الموسيقار بليغ حمدي.
نحو كتابة سينمائية جديدة تحرك صاحب نوبل نجيب محفوظ في مربع جديد، حيث القصة السينمائية تستشف وترشح طبقات وأحوال المجتمع المصري بعد ثورة عام 1952. ففي فيلم "بين السما والأرض" يضطر الجميع إلى تقاسم المصير ذاته بغض النظر عن أهدافهم أو الفارق الطبقي بيهم، أمام الموت يصبح الجميع واحد. معظم الشخصيات على "الحافة" في هذا الفيلم، فهناك رجل على وشك الموت، سيدة على وشك الولادة، وأخرى متعجرفة أرستقراطية ترفض الجميع. الاهتمام هنا بالمصعد ليس من باب المصدافة، حيث يعدّ اختصارًا للمجتمع المصري بشرائحه، إضافة إلى تفاصيل وعناصر المكان التي تتراوح بين الدانتيلا السينمائية (الصورة الحالمة) واللغة الأدبية المحفوظية. إنه فيلم يعالج المصير والتنوع المجتمعي.
التجربة مع محفوظ لا تتوقف عند محطة واحدة، بل تتوهج لتأخذ مسارًا مختلفًا. ففي "القاهرة 30" عن قصة القاهرة الجديدة لمحفوظ، تصبح شخصيات المجتمع أكثر ضعفًا وانفضاحًا، الجنس والسياسة يخترقان المشهد. رؤية أبوسيف استطاعت تشريح شخصيات المجتمع ووضعها أمام مرآة الرقيب للمشاهد الذي سيظل واقفًا أمام الحكم المطلق وأزمات النظم السياسية.
مشاهد من فيلم القاهرة 30
في الموجة الأخيرة من أعماله قدم أبوسيف فيلمه الرمزي الذي يتكئ بشكل مباشر على الواقع المجتمعي "البداية" عام 1986 من بطولة أحمد زكي للعودة إلى مربع المكان الواحد بعد "بين السما والأرض". والفيلم ببساطة بعيدًا عن التعقيدات السينمائية، يتناول فكرة "التسلط" وترسخها في الجنس البشري وقد قال عنه أبو سيف: "حاولت أن أقدم فيلمًا خياليًا ولكني وجدته يأخذ شكلا من واقع الحياة، يظهر ذلك التسلط في مجموعة بشرية سقطت بهم طائرة في واحة صحراء مصر، بينهم الفلاح والعامل والمثقف والعالم ورجل الأعمال الانتهازي الذي يفرض سلطة على موارد الواحة ممارسا حكما شموليا على هذه المجموعة من البشر مرتكزا على سلاحه وذكائه وجبروته".
عن رواية "الحرب في بر مصر" ليوسف القعيد، استطاع أبوسيف بالتعاون مع مدير التصوير طارق التلمساني، أن يخرج في النهاية قطعةً فنيةً تجسد الفساد الذي يمارسه أصحاب النفوذ والسلطة داخل القرية المصرية. العمدة الذي قام بدوره عمر الشريف يجبر الفلاح عزت العلاليلي على إرسال ابنه للتجنيد بدلاً منه في مقابل قيراطي أرض. تقوم الحرب ويُستشهد الابن في الحرب ويُدفن معه سر التزوير في الأوراق الرسمية، وهنا يقف العمدة بشموخ في عزاء الابن الشهيد بينما الابن الحقيقي حي يرزق وبلا فائدة.
صلاح أبوسيف المتأثر بالسينما السوفييتية والإيطالية، قدم خلال حياته المهنية التي استمرت فوق الخمسين عامًا، أربعين فيلمًا حاز بها على العديد من الجوائز والأوسمة في مهرجاناتٍ عربية ودولية. ترك أبوسيف مجموعة من الكتب المهمة نذكر منها: "فن كتابة السيناريو"، "السيناريو السينمائي –الفن والتجربة"، و"التكوين: حياة المفكرين والأدباء والفنانين بأقلامهم".
والختام مع الفيلم الكوميدي والاجتماعي الأيقونة (الزوجة الثانية)