التوقيت السبت، 04 أبريل 2026
التوقيت 11:36 م , بتوقيت القاهرة

مسرحية من زمان| "الدخان".. الإدمان سنة ستين


"مصطفى البكري اللي عنده السل ماركعش... لأن القضية قضية الإنسان وكل استعباد، استعباد اللذة أو الأفيون أو القوة للإنسان، أنا والله العظيم ما ضعفت ولا ساومت ولا كنت بدور على اللذة، أنا كنت بدور على الإيمان على الهدف، وهلاقي هدف، لازم ألاقي هدف". 

بعد الجملة السابقة التي قيلت على لسان موظف مصري على آلة كاتبة يمتلك من الثقافة والفلسفة قدرًا كبيرًا فقد كل شيء بعد أن سيطر عليه الإدمان، وضع المؤلف المسرحي "ميخائيل رومان" قلمه لينهي سطور مسرحية "الدخان" عام 1962 لتنشرعام 1968. 
 
"الدخان" مسرحية تدور في 3 فصول بين منزل أسرة حمدي وغرزة المعلم رمضان تاجر المخدرات، ويتعرض فيها المؤلف ميخائيل رومان (1922 _1973) لضياع هدف وحلم الإنسان (حمدي)، والانصياع لكلام ورغبات الجميع لدرجة تفقده شخصيته وفلسفته التي كان يؤمن بها، وبالطبع إلى قضية إدمان المخدرات واستعباد الإنسان بها أو استخدامها وسيلة للهروب.  

حمدي ليس مجرد نموذج لشخص مدمن أو مستهتر ينتمي لأسرة ثرية تدلل فيفسد الابن، وهو أيضًا ليس بشخص فشل في حياته التعليمية أو من أسرة شديدة الفقر فقرر أن يهرب إلى طريق الإدمان، وحمدي هنا لا يشبه شخصية حمدي بطل مسرحية أخرى لرومان حملت اسم "المزاد" فهناك هو شخص ضعيف يلعب دور المحكوم.


يجد حمدي طفل "الدخان" وشقيقته جمالات كنزًا يدعى الكتب كان يخفيها والدهما داخل صندوق أسود، والصندوق هنا ربما يكون رمزًا لعقل الأب المتحجر  فهو رغم قراءته كان متحجر الفكر، كما وصفه حمدي. 

 
يقرر حمدي وشقيقته أن ينهلا من هذه الكتب سويًا، فيصبح الولد شابًا مثقفًا يقرأ في الفلسفة ويدرسها ويعرف الكثير عن الحياة التي أتعبته تفاصيلها، يرحل والده وتزداد الأعباء على كاهله، يعمل موظف على آلة كاتبة بعد التخرج وكم كره هذه الآلة البالية. 
 
يدخل حمدي بجسده النحيل وعقله الذي لا يكف عن التفكير رحلة طويلة يساعد خلالها في تربية شقيقه طالب الطب فتحي، ويحاول أن يجمع المال للزواج من حبيبته حسنية لكنه يجد الأمر أصعب مما كان يتوقع، يضيع الطريق والهدف من أمامه فيقرر أن يهرب ويغيب عقله عن طريق إدمان المخدرات، يشعر أنه لافائدة من الحياة، ويسعى لتدمير نفسه. 
 
قدم شخصية حمدي لأول مرة الفنان الكبير عبدالله غيث في الستينات، وحسب موقع السينما فإن المخرج مراد منير اختار الفنان صلاح السعدني ليجسد نفس الدور عندما أخرج النص نفسه، وفي عام 2013 جسدها أيضًا الفنان محمد رمضان في مسرحية حملت اسم "رئيس جمهورية نفسه" عن النص الأصلي "الدخان"
 
يفقد حمدي خلال نص المسرحية إيمانه بكل شيء بداية من ذاته وصولًا لإيمانه بكل الشخوص من حوله حتى أخته جمالات التي شاركته أحلامه وفلسفته وأفكاره وأمه التي ترفض أن تمنع عنه الأموال رغم الديون والاحتياج الشديد له، وأيضًا رغم علمها بأنه سيشتري بها المخدرات.

ويزيد من حالة انعدام ثقة حمدي في كل شيء موقف أخوه فتحي منه –وهو الذي شارك في تربيته وضحى من أجله- إذ يعنفه بشدة ويقسو عليه بل يهينه ويتهمه بأنه يغير منه لأنه أعلى في الدرجة التعليمية، ويصل الأمر إلى التهديد بضربه أوتسليمه للشرطة، طالبًا منه أن يقلع عن الإدمان. 


 
النص يعتمد على "المونولوجات الطويلة" التي يغلب عليها الطابع التراجيدي، بجانب مشاهد كوميدية قليلة تنتج عن المفارقة التي تظهر عندما يلتقي حمدي المثقف بالمعلم رمضان تاجر المخدرات الحقود ورجاله ورغبة المعلم في أن يدمر حمدي تمامًا ويقضي عليه ويجعله أحد صبيانه. 

وأثارت مسرحية "الدخان" أولى كتابات "رومان" عندما عرضت لأول مرة جدلًا واسعًا بين الجمهور والنقاد، إذ اعتبرها البعض نصًا جريئًا وصادمًا يقدم المدمنين من منظور مختلف، وذهب آخرون إلى تسفيه النص واعتباره لا يرقى لأن يكون على خشبة المسرح. 
 
فكرة التآليه والاستعباد والتطلع إلى الحرية والتمرد لرفض كل القيود المجتمعية حاضرة بقوة في النص الاجتماعي الذي ألفه صاحب مسرحيات "الحصار، الوافد،  الزجاج" ويكشف ماسبق حوار مابين حمدي وشقيقته جمالات، وآخر بينه وبين نفسه، فحمدي يقدم نفسه عبدًا للمخدرات باحثُا عن الموت، ويعتبر جمالات وأمه إلهًا يلجأ إليه كثيرًا لحل مشاكله، ثم يتهمهما بالتورط في أزمته ليتمرد على الجميع، ورغم تعنيف الشقيق الأصغر فتحي لحمدي إلا أنه أيضًا كان يراه رمزًا يجب ألا يُخطئ.

 
يبقى حمدي في دائرة إدمان المخدرات دون أي محاولة للابتعاد يخسر عمله وأصدقائه وكل أمواله وكل شيء، حتى يحكي له تاجر المخدرات المعلم رمضان عن قصة شخص يدعى مصطفى البكري سجن في قضية سياسية وكان الوحيد داخل السجن الذي يرفض أن يركع أمام أحد داخل السجن رغم مرضه، تثور أخته جمالات عليه وتؤكد له أنه شخصية ضعيفة وجبانة يهرب من مواجهة الحياة، ليحاول حمدي أن يثبت العكس للجميع. 
 
"كان لازم يحصل كل ده عشان أعرف أنا مين ورايح فين، واتعلم أبقى راجل، عشان أتف على العالم ماتفش على نفسي".