أنطونيو بانديراس تائه مع الروبوتات وسط دستوبيا Aut?mata
1 - الروبوت لا يؤذي البشر ولا يسمح بحدوث تصرفات تؤدي إلى نفس النتيجة.
2 - على الروبوت طاعة الأوامر البشرية الصادرة إليه، ما لم تكن متعارضة مع القانون الأول.
3 - على الروبوت أن يتبع كل الإجراءات اللازمة للحفاظ على وجوده واستمراره، ما لم تكن تتعارض مع القوانين (1-2).
القوانين الـ3 السابقة صدرت متفرقة ضمن بعض قصص رائد أدب الخيال العلمي إسحاق أسيموف قبل أن يدشنها كلها متجمعة عام 1942 في قصة قصيرة بعنوان Runaround أو "الهارب". حتى الآن لا تزال القوانين الـ3 تمثل أساسات الخط الدرامي في العديد من أعمال الخيال العلمي، المتعلقة بالروبوتات، ومن أشهر وأضخم الأفلام الهوليوودية مؤخرا المتعلقة بالقوانين، فيلم I, Robot انتاج 2004 للنجم ويل سميث والمخرج أليكس بروياس.
في 2014 يقتبس المخرج الإسباني الأصل جيب إيبانيز الخطوط العامة لعلاقة الإنسان بالروبوت من القوانين الـ3 في ثاني أفلامه الروائية Aut?mata الذي يقوم ببطولته أنطونيو بانديراس.
يبدأ الفيلم في عام 2044 بعد أن مات 99.7% من البشر بسبب التلوث، بينما يكافح الباقي للبقاء على قيد الحياة بمعاونة روبوتات قادرة على الصمود في هذه الأجواء. أنطونيو بانديراس أو "جاك فوكان" موظف تأمينات يعمل لصالح أكبر شركة منتجة للروبوتات، وتتلخص وظيفته في التحقيق في أي اتهام يوجه لروبوتات الشركة لقيامها بأضرار تتعارض مع مواصفاتها المعلنة. كل الاتهامات التي مر بها مزيفة، لكنَّه الآن يحقق في حادث حقيقي يغير كل شيء.
درس المخرج أكاديميا علوم الكمبيوتر والبرمجيات، قبل أن يبدأ مشواره الفني في منتصف التسعينيات، كأحد منفذي الرسوم الـ3D في الإعلانات التجارية، وهذا يفسر إلى حد ما، كيف استطاع أن يقدم صورة ومؤثرات مبهرة جدا، بميزانية لا تتجاوز الـ 10 مليون دولار، وهو رقم متواضع بمقاييس هذا النوع من الأفلام. أغلب المشاهد والتصميمات يغلب عليها تأثر واضح بفيلم المخرج ريدلي سكوت الشهير Blade Runner إنتاج عام 1982 الذي قام ببطولته هاريسون فورد، وتدور أحداثه في قالب مشابه جدا.
المشكلة الأساسية في الفيلم، تتلخص في عدم وجود خط درامي أو فكري واضح ومتماسك. يلعب الفيلم تارة على الوتر العاطفي للمتفرج بخصوص بقاء البشر وسط عالم مستقبلي بائس أو دستوبيا أخرى. يتجه أحيانا لفلسفة شهيرة وعظيمة في أدب الخيال العلمي، لم تنل حظها للأسف من التوظيف السينمائي، وهى فكرة الـ Post human أو "حقبة ما بعد الإنسان". تتلخص الفكرة في نظرة غير تعظيمية للإنسان كمجرد كائن آخر سيطر على الكوكب لحقبة من الزمن، وسينتهي دوره الريادي في مرحلة ما، لتصبح السيطرة متروكة لكائنات أو آلات أخرى، أكثر قدرة منه على السيطرة والتعايش مستقبلا. في أحيان أخرى يصبح الفيلم مجرد سيل من الأكليشيهات الحوارية المحفوظة في هذا النوع.
الأسئلة والأفكار كثيرة جدا هنا. هل يوجد فرق كبير بين الإنسان والآلة؟.. وإذا كان الفرق يتلخص في درجة القدرة على اكتساب وتحليل المعلومات، أليس من المنطقي إذًا أن نصل في النهاية لإنتاج آلات أو روبوتات، تفوقنا قدرة في النقطتين؟.. ما هى المشاعر وهل يمكن اختزالها للجنس البشري؟.. كل هذه النقاط الشيقة تمر دون إشباع حقيقي في الفيلم.
النصف الأول أجود نسبيا، بفضل قدر جيد من التشويق وطابع نوار مستقبلي، تم بناؤه بصريا بشكل جيد، لكن كل هذا للأسف تم إهداره لاحقا في سيناريو مهلهل وغير منظم نهائيا. الثلث الأخير من الفيلم تحديدا، يعكس حالة من التشتت، تشعر معها أن صناع الفيلم أنفسهم، لم يعرفوا من البداية، أي نهاية ومراد يريدونه تحديدا للفيلم أو حتى للشخصيات الرئيسية. حتى العناصر التي تم بناؤها بشكل مبشر جيد دراميا وتقنيا في البداية، ومنها مثلا "الروبوت الأنثى" تنتهي بدون توظيف حقيقي جيد.
تشتت السيناريو امتد إلى الممثلين أنفسهم. أنطونيو بانديراس أفضل من الباقين، وينقذ بكاريزماه الخاصة بعض المشاهد، لكنه يقدم أيضا باستمرار انفعالات غريبة في مشاهد أخرى، لأن الشخصية نفسها غير محبوكة دراميا. الباقون وبالأخص ميلاني جريفيث وديلان مكديرموت، أسوأ وأسوأ.
تظل المقارنة الإجبارية مع Blade Runner ربما العنصر الأكثر ضررا على الفيلم. النقطة الإيجابية المهمة هنا تتعلق بأداء المخرج الشاب على المستوى البصري، على ضوء الميزانية المحدودة للفيلم. من المؤكد أنه قادر على تقديم عمل خيال علمي أجود بمراحل مستقبلا، إذا فاز بسيناريو جيد.
باختصار:
دستوبيا كابوسية أخرى متميزة على المستوى البصري، تكتفي بالإشارة إلى عدد كبير من الأفكار الجيدة، دون أن توظف أي منها بشكل جيد دراميا.