التوقيت الأحد، 09 أغسطس 2020
التوقيت 05:19 م , بتوقيت القاهرة

مُحدثات صوت بدائية الصُنع

توقفت منذ زمن ليس بالقصير عن الدخول في مُساجلات سياسية، مع أشخاص يحاولون استدراجي إلى حوارات عدمية، عن الوضع في البلاد، خاصة من أولئك الذين يعرفون أن لشخصي المتواضع إسهام ما بالرأي، في الشأن العام وأحوال مصر. مبعثُ توقفي ليس عن ترفعٍ أو تعالٍ، ولكن لخبرتي الطويلة بعدمية وعبثية هذه الحوارات، وأنها دائمًا تفضي إلى لا شيء، وهي في أحسن حالاتها مجرد صراع ديكة، يحاول كل ديك فيه إثبات تفوقه في النزال العبثي على الديك الآخر. ما أعرفه عن أي حوار مُفترض، هو أنه نسق فكري متوازي ذو اتجاهين، تمضي فيه الفكرة ومُسوغات منطقيتها في اتجاه، لتستقبل تفنيدها وتفكيك هذه مُسوغات طرحها، وتقديم البديل من الاتجاه الآخر. الحوار في أحسن تجلياته هو صراع أفكار ورؤى سلمي، ينتصر للعقل والمنطق والمقدمات التى تقود النتائج، وفق شروط أولها التسليم والرضاء الكامل بقبول سماع الرأي الآخر، والتعقيب عليه دون تسفيه أو تجريح أو شخصنة وإلَّا تحول الحوار إلى شئ أشبه بمُحدِثات الصوت ضجيج بلا هدف.


لم يستفد أحدُ من صراع الديكة هذا، قدر ما استفادت البرامج الحوارية في الإعلام بعد انفجار فقاعة التوك شو بالإعلام العربي في مطلع الألفية الجديدة، فارتفعت نسب المشاهدة، وجلبت معها إعلانات تجارية بالملايين، واستبدل الناس تمثيليات المصارعة الحرة في الثمانينات والتسعينات، بتقليب الريموت بين الفضائيات لمتابعة حلبات التوك شو، حيث ديك ما أكثر حدة وغضبًا سيفوز في نزال اليوم. تفنن مُعدو ومُقدمو تلك البرامج في استثمار مناطق التأزم والفوران في المجتمع، لتأجيج حالة الاستقطاب المُجتمعي، تحت اليافطة البريئة وهي نقل الحقيقة، وإعلام الناس بما يجري وتسليط الضوء على الأحداث، ولكن أي ضوء، وأي أحداث؟


أنتج الاستقطاب والتجاذب الحادث منذ أعوام، ثلاثة أصناف من الناس، خاصة في المجال الافتراضي لمواقع التواصل الاجتماعي، كالفيس بوك وتويتر. الصنف الأول فريق متفاعل مع الأحداث، ويدلي بإسهاماته بين الحين والحين بشكل عفوي وعاطفي انفعالي، ونوع ثان مُعارض ويتبنى منهجًا متربصًا، فيختفي لفترة طويلة ويظهر فقط، كلما كان هناك حدث أو فرصة تمكنه من الهجوم المشمول بقدر من الشماته والتشفي، فلا يُفوت فرصة كاستشهاد جنود، إلا ويظهر بعد غياب متظاهرًا بالعزاء والحزن، مع اللمز على قدرات الجيش والتلميح بعدم جدوى ما يتخذ من إجراءات، ويتمادى أحيانا بالسخرية من التدابير التي تتخذ.


 وهذا النوع تراه يقوم باستدعاء أحداث سابقة لممارسة هوايته في الطعن والسخرية، كاستدعاء موضوع جهاز علاج مرضى الكبد، وهو الموضوع الذى طاله النقد حتى من مؤيدي الدولة، ليس بسبب تبني القوات المسلحة له، فهي في كل الأحوال حاولت في الوقت الذي تقاعست فيه مراكز بحثية وجامعات عن القيام حتى بمجرد المحاولة، ولكن النقد كان بسبب عدم تحري الضوابط البحثية والعلمية في هذا الأمر العلمي المحض، فترى هذا النوع المتربص، شديد البأس والتصيد والهجوم دون أن يلمح شيئا إيجابيا واحدا يلفت انتباهه، أو يستوقفه إنجاز ما تم على الأرض، فيصبح مؤتمر شرم الشيخ مؤتمرًا للتسول، ويصبح حفر الممر الإضافي بقناة السويس وهمًا، ويصبح اتفاق التفاهم على حصة مصر من مياه النيل انهزامًا وخضوعًا من وجهة نظرهم.


أما النوع الثالث فهم من أيدوا أو تعاطفوا مع الإخوان، وكانوا أكثر حدة ووعيدًا خلال فترات ما بعد يونيو 2013، وهؤلاء لجأ الكثير منهم خاصة العاملين بالجهاز الإداري للدولة، إلى الإسراع بتنظيف صفحاتهم وبروفايلاتهم على الفيس بوك من منشوراتهم القديمة لتصبح صفحاتهم بيضاء كيوم ولدتها أمهاتها.


ما يعنينا في كل هذا ليس العداء لأي طرف من الأطراف، ولكن تذكير الجميع بفضيلة غائبة، وهي فضيلة الحوار القائم علي أرضية واحدة لا تقبل القسمة أو المقايضة، وهي الوطن وليس علي أرضية دينية أو انحيازات ضيقة لفصيل أو جماعة على حساب الوطن. لا فصال أو جدال يمكن أن يقوم على فكرة وجود الوطن من عدمه، وهو الأمر الحادث الآن للأسف من منصات إعلامية تبث من تركيا تهلل فرحًا وشماتة مع كل مصاب أو شهيد من أبناء الوطن، وتتمني علانية كل شر لمصر، فهي اعتبرت نفسها في خصومة مع كل مصري خرج أو أيد الجموع التي خرجت في يونيو لاستعادة مصر.


أمام حالة كتلك يصبح الدخول في سِجالات تحت مسمى الحوار، نوعًا من اللغو والتنابز، الذي لن يزيد الأمور إلَّا تعقيدًا وتباعدًا، خاصة إذا ما كان محاورك ينطلق بشكل أعمى من خلال انحيازاته العقائدية، ويضعك رُغمًا عنك في مربع العدو في الدين ابتداءً، وفي الفكرة الكلية عن الخلافة والشريعة إلى آخر كليشيهات الإسلاميين الجاهزة، انطلاقا من الوهم القديم بالمظلومية للفرقة الماجية الواقعة في دائرة الغُبن.


تراودني كثيرًا فكرة مؤداها أن الوطن بحاجة إلى عام من الصمت السياسي. لابد من وقف لإطلاق نار المُنازلات الكلامية في حلبات اللغو السياسي. نحن نعيش تحت القصف الكلامى في البرامج والحوارات، وعلي مواقع التواصل الاجتماعي، في حوارات بدائية الصُنع ومفخخات من مُحدثات الصوت الأجوف والجعجعة خلف الشاشات والتغريدات ومنشورات الفيس بوك. إذا كنا بصدد البناء والعمل فلنعقد اتفاقًا صامتًا مع الصمت نفسه. فلنبق صامتين عن اللغو، فثمة من يعمل ويعرق ويبني دون صخب.