التوقيت الجمعة، 10 أبريل 2026
التوقيت 04:38 م , بتوقيت القاهرة

عصام عبد الله.. فـ قلب الليل

مع إن عصام عبد الله بالنسبة لي هو أجمل حد كتب أغاني في تاريخ مصر، بس عمري ما فكرت فيه بمنطق ولد وعاش ومات، وحصل على، وتولى منصب، وهكذا أشياء.

عصام كان واحد من أهم كُتاب الإعلانات في مصر، في أواخر السبعينات، ثم طول التمانينات، ولحد ما مات يوم الخميس 21 مارس 1996، وهو عنده 41 سنة، لأنه من مواليد الجمعة 14 أكتوبر 1955. وكانت الإعلانات دي أكل العيش، علشان كده مكنش مضطر يعمل أغنيات بـ اسميها "أغاني مجانية"، وكل غنوة عملها كان فيها فكرة، تعجبك أو ما تعجبكش دي قصة تانية.

كانت شلته علي الحجار ومصطفى علي إسماعيل وشوية محمد منير ومهندس الصوت إبراهيم عنان، وكان بـ يتقابلوا فـ عمارة شهيرة أغلب سكانها من الشلة دي، كانت في جاردن سيتي (18 شارع معمل السكر) وكانوا ب يتقابلوا في استوديو صوت اسمه "إمباير"، ويعيشوا بقى.

لسبب ما، غامض، عادت أغنيات عبد الله بـ تتحسب في تراث عبد الرحيم منصور، وأحيانا مجدي نجيب

عصام لحق جاهين، وجاهين شاف إنه هو مستقبل الأغنية المصرية، لأنه لغى الفواصل بين العامية والفصحى، ولأنه يتمتع بـ خيال مالوش حدود.

وكان فيه تجربة بـ اعملها في التسعينات، وأوائل الألفية، إني أسأل أي حد من الأصدقاء المثقفين: تعرف عصام عبد الله؟ فـ يقول لي: لأ. طيب ممكن تقول لي قائمة بأحسن عشر أغاني بـ تحبهم، مكنش ممكن أبدا حد يسمي لي قايمة مفيهاش كذا أغنية لـ عصام عبد الله: "قلب الليل"، "كان إحساسي صحيح" لـ علي الحجار، "لو بطلنا نحلم نموت" و"سحر المغنى" و"الطول والليل والحرية" و"حتى حتى" لمحمد منير، و"وحدانية" و"من بعيد" لأنغام، وحتى عمرو دياب ومحمد فؤاد عمل لهم شغل مميز في بداياتهم.

 

في الأغاني دي عصام عمل حاجة مبهرة، وهي إنه تقريبا ألف لهجة. كتير من الأغنيات اللي كتبها تبان بدوية أو صعيدية أو أي لهجة لأي قبيلة، بس اللي حاصل إنها من منشآت عصام عبد الله، وده اللي بقى بعد كده سكة فـ الكتابة بـ تتطلب بـ عينها.

لسبب ما، غامض، عادت أغنيات عبد الله بـ تتحسب في تراث عبد الرحيم منصور، وأحيانا مجدي نجيب، يمكن لأن الاسمين دول بقوا ملاصقين لتجربة منير، باعتبارهم كتبوا أغلب كلماته، بس برضه ما تفهمش إيه علاقة ده بأغنية زي "فـ قلب الليل" مثلا.

بمناسبة "فـ قلب الليل"، ألبوم علي الحجار، إنتاج 1987، واللي كان تجربة فريدة من نوعها، وتقريبا الألبوم الوحيد اللي أنتجته شركة "إمباير"، واللي ظهر فيها عمر خيرت كعازف درامز لا ملحن ولا موزع، الألبوم ده فيه تحفتين لـ عصام.

الأولى أغنية "روحي فيكي تروح"، المتاخدة من تراث مغربي، ووزعها كامل الشريف الموسيقار العظيم المنسي. فـ الغنوة دي تركيبات جمل وصور وقوافي محتاجة مقال منفرد:

حسبك، شتيتي العقل اشتات

وجنيتي نجوم السموات

وخطيتي الحسن المسموح

إن قلتي وداع أنقسم اتنين

فارس متمرد ع القوانين

وكسير مسلم ما بـ بيبوح

 

والتانية فـ قلب الليل نفسها، اللي هي واحد قابل واحدة بريستيتوت، حبها، وحب يحررها، هو اعتبر البريستيتوشن عبودية مش خطيئة وده شيء مدهش. بس هي سابتة ورجعت لقيودها، وصور ده بـ فكرة إنه قابل مهر مربوط وحرره، بس المهر رجع لـ قيده، إيه العظمة دي!

اللافت بالنسبة لي إن عصام نفسه كان بـ يتعامل مع نفسه باعتباره حاجة عادية، وإن الناس بـ تبالغ في تقديرها لكلماته، وإنه مفيش أي فرق بين الأغاني والإعلانات! وده بـ حسب كلامه لصديقه الكاتب جمال الجمال، اللي لما اتوفى عصام كتب مقال بديع في رثائه، لسه فاكر عنوانه لحد دلوقتي: "ما بطلش يحلم .. ومات".