التوقيت الأربعاء، 10 يونيو 2026
التوقيت 06:12 ص , بتوقيت القاهرة

من بستك إلى العالم.. رحلة علم وتجارة

قبل انتهاء موسم كل غوص بشهر أو أكثر، كان الكثير من تجار اللؤلؤ في البحرين والكويت وقطر وعمان وشرق السعودية يسافرون إلى "بمبي" لبيع اللؤلؤ الطبيعي على التجار والدلالين العرب المقيمين هناك والذين كانوا بدورهم يبيعون تلك السلعة مجددا إلى التجار والدلالين الهنود وكبار تجار المجوهرات الأوروبيين، محققين أرباحا معتبرة.

من بين هؤلاء تاجر بحريني ترجع جذور عائلته إلى الساحل العربي الجنوبي من بلاد فارس، وتحديدا حاضرة بستك المحاطة بالجبال الشاهقة، والتي تعتبر واحدة من المدن القديمة ذات الذكر المتكرر في التاريخ كمكان كانت القوافل التجارية تستخدمه للاستراحة والتموين في الماضي، علما أنها تبعد عن ميناء لنجة بنحو 170 كيلومترا.

هذا التاجر وصفه المؤرخ البحريني الأستاذ بشار الحادي في الصفحة 393 من الجزء الخامس من كتابه "موسوعة ضياء البدرين في تاريخ البحرين" بـ "صاحب الخيرات والمبرات"، وأكد انحداره من أسرة كان جدها الأكبر من حكام إمارة بستك التي قامت في جنوب فارس على أيدي عائلات عباسية شريفة من ذرية الخلفاء العباسيين بعد وصولهم إليها في عام 1670 للميلاد من بغداد هربا من فضائع ومجازر هولاكو.

أما المؤرخة الإماراتية الأستاذة كاملة القاسمي فقد وصفته في الصفحة 802 من كتابها الموسوم بـ "تاريخ لنجة" بأنه أبا الخير كناية عن كثرة أعماله الخيرية واتساع نطاق أعمال البر والإحسان التي كان يحرص عليها. فقد قام ببناء المدرسة المصطفوية في بستك ثم جددها لاحقا، وقام ببناء مسجد يحمل اسمه في شمال القضيبية بالمنامة في عام 1963، وهو المسجد الذي تم هدمه وإعادة تشييده بمواصفات حديثة وافتتح كجامع في عام 2003 لتؤدي فيه الجمعة والصلوات الخمس.

ومن مساهماته الأخرى التي لا تـُنسى ـ طبقا لما جاء في ثنايا كتاب الحادي المشار إليه آنفا (الصفحات من402 إلى 426) ـ تبرعه بمبلغ 4000 روبية لصالح تسليح الجيش المصري في عام 1955 ، وكان هذا المبلغ وقتذاك مبلغا كبيرا جدا. ثم تبرعه بمبلغ ألف روبية كغيره من وجهاء البحرين وشركاتها الكبرى لصالح إقامة مبنى جديد لنادي البحرين الثقافي والرياضي في المحرق.

وكان الرجل قد تبرع قبل ذلك، في عام 1943، بمبلغ اربعمائة روبية اسهاما منه في حملة شراء طائرة مقاتلة لصالح الجيش البريطاني من أجل دعم الأخير ضد تهديدات القوات النازية.

وورد في جريدة البحرين لعبدالله الزايد (30/12/1943) أنه تبرع من أجل إعداد وتمثيل مسرحية "أبو عبدالله الصغير" من فوق مسرح مدرسة الإصلاح الأهلية، وهي مسرحية تقرر ذهاب ثلث ريعها إلى مكتبة نادي البحرين والثلثين الباقيين لإكمال تأثيث مدرسة الإصلاح ومساعدة الفقراء من طلابها.

وذكرت الجريدة نفسها (9/9/1943) أن الرجل كان ضمن من تبرعوا لإقامة مسرحية كليوباترا لأحمد شوقي من فوق خشبة نادي البحرين. إلى ذلك أشارت جريدة البحرين في عددها بتاريخ (30/10/1942) أنه تبرع لفقراء الحد ضمن حملة "لجنة إسعاف الفقير بالحد" والتي جاءت فكرتها من لدن السيد أحمد بن هاشم اليوشع وترأسها المغفور له سمو الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة.

وحينما شب حريق كبير في الجهة الجنوبية من الحد في عام 1959 ، مسببا خسائر فادحة في المحلات والممتلكات، كان الرجل في مقدمة من سارعوا للتبرع، بل تبرع بمبلغ فاق تبرع آخرين كثر من التجار والأعيان وهو 500 روبية. ولا ننسى في هذا السياق تبرعاته لثورة الشعب الجزائري في خمسينات القرن الماضي، وهو ما يؤكد وطنيته وإحساسه بواجبه تجاه أشقائه العرب.

إنه كبير عائلة الخان في البحرين والخليج المرحوم الشيخ مصطفى بن عبد اللطيف بن المطلب العباسي الهاشمي القرشي البستكي الذي يعود نسبه إلى عم الرسول (ص) العباس بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب. علما بأن كلمة " الخان" الواردة في بداية الفقرة تعني الكبير أو الرئيس وجمعها الخانات أو الخوانين. فيقال مثلا: فلان من خانات بستك أي من كبار قومها أو رؤسائهم.

ويقول عبدالله الخان في كتابه "معجم العين ـ الصفحة 317" أن كبير عائلة الخان الشيخ مصطفى عبداللطيف عاش في الكويت وعمل هناك مع التاجر هنيان العنزي من عائلة الشملان وتزوج إبنته لولوة، كما عمل في التجارة وبيع اللؤلؤ في البحرين والإمارات والهند وباكستان. ويضيف عبدالله الخان أن الشيخ مصطفى إقترن بعمته بعد وفاة زوجته لولوة.

ويورد بشار الحادي في الصفحتين 395 و396 قصة الحصباة التي كانت سببا في ثراء الشيخ مصطفى عبداللطيف، وذلك نقلا عما ذكره أحد أعمدة عائلة لوتاه الإماراتية وهو الوجيه عبداللطيف بن أحمد بن محمد بن علي بن راشد لوتاه الذي قال ما معناه أن عائلته كانت لها تجارة وشراكة في اللؤلؤ مع عائلة ناصر بن عبيد التي كان يمثلها ولدهم حسين المغرم بالطواشة والانتقال من مكان إلى مكان بحثا عن اللآلي النادرة كبيرة الحجم.

وذات مرة اغضب حسين والده لأنه دفع مبلغ 35 ألف روبية ثمنا للؤلؤة، فخرج الرجل من عجمان مع زوج أخته راشد بن ماجد بن لوتاه ، قاصدين دبي حيث كان حسين عازما على اثبات صحة قراره بدفع ذلك المبلغ الكبير من خلال عرض لؤلؤته على التجار الكبار مثل ابن دلموك وابن بيات وابن حمودة، أملا في بيعها بسعر أكبر، فدفع فيها الشيخ مصطفى عبداللطيف السعر الأعلى وكان 150 ألف روبية.

ويقال إن الأخير دفع المبلغ دون أن يساوم صاحب اللؤلؤة لعلمه المسبق بأن تلك اللؤلؤة بمواصفاتها مطلوبة للتاج الملكي البريطاني، وبالتالي يستطيع جني أرباح مضاعفة من وراء بيعها. ويقال أيضا أن الشيخ مصطفى بعد اتمامه للصفقة سار باللؤلؤة الثمينة إلى بمبي ومنها إلى لندن حيث أتيح له بيعها بأضعاف مضاعفة من السعر الذي دفعه كثمن لها.

وتعتبر شركة مصطفى عبداللطيف من أوائل الشركات التي حصلتْ على الوكالة الحصرية في البحرين والخليج لأصباغ ودهانات "سبكترول"، حيث نشرتْ إعلانا ترويجيا ظريفا للسلعة في الخمسينات جاء فيه "لو تركض ركض الوحوش غير رزقك ما تحوش.. هذا هو سبكترول.. لا لزوم للركض والبحث عن انواع البويات والدهان فهو يأتيكم بنفسه".

حينما انتعشت التجارة وحركة الاستيراد والتصدير في ميناء دبيء كبديل لميناء لنجة التي تسببت القلاقل السياسية والقيود والضرائب الرسمية في تراجع دورها، قرر الشيخ مصطفى بن عبداللطيف في الثلاثينات الميلادية تركيز انشطته التجارية في بر دبي حيث كانت توجد مجموعة من الاسواق والعمارات المملوكة للشيوخ. في تلك الأيام لم يكن العمران والاسكان قد امتد بعد إلى منطقة ديرة، وبالتالي كانت الاسواق والمنطقة السكنية التي يقيم فيها بنو ياس وآل بوفلاسة وغيرهما من العشائر كلها في بر دبي. والحقيقة أنه كانت هناك مجموعة من الدكاكين في عمارة مملوكة من قبل تاجر اللؤلؤ المعروف الشيخ محمد بن دلموك، فأخذها الشيخ مصطفى بن عبداللطيف مقابل ديون له وبدأ في مزاولة التجارة من خلالها، لكن هذه الدكاكين احترقتْ بمحتوياتها في الستينات بفعل ماس كهربائي، وتهدمتْ وتــُركتْ إلى أنْ إشتراها التاجر فردان بن علي الفردان ليعيد بناءها على طراز حديث.

وفي دبي ارتبط الشيخ مصطفى بعلاقات تجارية مع الحاج يوسف بن محمد بن علي لوتاه، والحاج عبدالله بن محمد بن علي لوتاه، والحاج راشد بن ماجد لوتاه والحاج جاسم بن عبيد بن رحمة البقالي، ومن هناك كان على اتصال قوي برجالات وأثرياء بستك من أمثال الحاج محمد فاروق بن محمد عقيل البستكي، ومحمد رضا خان سطوة الممالك حاكم بستك ولنجة. غير أن علاقاته بتجار البحرين لم تنقطع فقد استمرت بالخان بهادر عبدالرحمن بن محمد الزياني، والحاج سلمان بن حسين بن مطر، والحاج عبدالله بن خليل بن إبراهيم الحسن، والحاج محمد بن عبدالعزيز العجاجي، والحاج حسن العبدالعزيز العجاجي، الحاج عبدالرحمن بن عبدالعزيز العجاجي وغيرهم.

بعد وفاة الشيخ مصطفى في عام 1964 آلت ممتلكاته وأعماله التجارية إلى أبنائه الذين قاموا بمواصلة مشوار والدهم وتطوير تجارته عبر الدخول في مشاريع متنوعة أو إضافة خطوط جديدة لها.

وهكذا نجد شركة الشيخ مصطفى بن عبداللطيف المتواضعة قد تحولت اليوم إلى مجموعة تجارية عائلية ضخمة في دبي والبحرين تتعامل في التبغ والعقارات والأثاث والالكترونيات والمواد الصحية والاجهزة المكتبية ومستلزمات المطابخ. بل يـُنتظر لهذه المجموعة أن تخطو خطوات أخرى نحو مستقبل أكثر إشراقا. فطبقا لما ورد في صحيفة الشرق الأوسط (12/7/2003) تعتزم المجموعة إقامة ثلاثة مشاريع ضخمة في مرسى دبي ومشروع بحيرات الجميرا على طريق الشيخ زايد بتكلفة 250 مليون درهم، هذا إضافة إلى أحدث مشاريعها والمتمثل في برج "كاسكيدز" الواقع على طريق الشيخ زايد في مرسى دبي. وهو برج سكني مؤلف 17 دور و 110 شقة فاخرة إكتمل بناؤه في عام 2006 بتكلفة 70 مليون درهم.

 تنويه: أتقدم بجزيل الشكر والامتنان لكل من يتابع هذه الحلقات الأسبوعية من سير الشخصيات العصامية والعائلات الكريمة في منطقة الخليج والجزيرة، ولكل من اتصل بي مستفسرا أو مقترحا أو مصوبا، بمن فيهم أولئك الذين يتجاوزون كل الحقائق الإيجابية وعبارات المديح والإطراء والإشادة ليتوقفوا عند أمور شكلية لاتقدم ولا تؤخر ويعترضوا عليها، وذلك من باب المناكفة والمشاغبة ليس إلا.

 وأود أنْ أؤكد للذين يطالبونني بجمع هذه الحلقات في كتاب كي يسهل لهم العودة إليها أنّ الفكرة قيد الدراسة وسوف يـُصار ، إنْ شاء الله، إلى تنفيذها في العام القادم على أبعد تقدير مع إلحاق كل مقال بالعديد من الصور النادرة التي لا تسمح المساحة الصحفية المحدودة بعرضها.