هو ذلك الحذاء الذي كنا نشتريه قديما ونحن أطفال، يبدأ رحلته معنا ببياضه الناصع وقماشته المرنة، وسريعا ما يتحول للأصفر من كثرة الاستخدام، ربما هو الحذاء الوحيد الذي كنا نخصصه للعب، حيث إذا تلف أو تمزق فمن السهل الحصول على أخر جديد ناصع البياض، "كوتشي باتـا" تلك الأحذية التي ظلت تلازم أقدامنا في كل إجازات الصيف، وكل مباريات الكرة التي لعبنها في الشوارع والحواري، باتا "الجزمة اللي لفت مصر".

البداية ليست من مصر، بل من دولة في أوروبا الشرقية، تحديدا من التشيك حينما قرر الأخوة باتـا "توماس وآنا وأنطونيان" وهما من عائلة عملت بمجال صناعة الأحذية لفترة تقرب الثلاثة قرون، لتبدأ أولى مصانع إمبراطورية باتا مترامية الأطراف، بمدينة زلين بالتشيك، بعشرة عمال فقط عام 1894.

الأخوة باتا
الأخوة باتا

ولكن على الرغم من جودة ما يقدمه الأخوة بـاتا من منتج، عصفت بهم أزمة مالية طاحنة في العام التالي، حيث زادت أسعار الجلود بشكل كبير بينما رفع جميع المنافسين أسعار الأحذية خطرت لتوماس باتا فكرة، هي تصميم وصنع حذاء عالي الجودة خفيف الوزن زهيد الثمن وتكون المادة الأساسية فيه هي الخيش والجلد، لتظهر النسخة الأولى من أحذية باتـا، تلك التي وجدت رواجا كبيرا لدى العمال تحديدا لخفة وزنها وسعرها الزهيد، لتتحول خسارة الأخوة باتا على مكاسب كبيرة.

في عام 1904 تحولت الصناعة في بـاتا من يدوية إلى آلية حينما أدخل باتـا آلات إنتاج بخارية وزاد عدد العمال إلى 100 عامل، ثم إلى 600 عامل في عام 1912، لتتحول قرية زلين التشيكية لقرية باتـا، فجميع أهلها يعملون في مصانع وورش باتا لتصبح منطقة صناعة خاصة بباتا وعماله قبل أن ينطلق للعالمية إبان الحرب العالمية الأولى.

رغم أن العالم كان يعاني من الصراع المسلح الأكبر وقتها "الحرب العالمية الأولى" إلا أن باتـا صناعته ازدهرت بشدة بعد إقبال الحكومات على شراء أحذيته العسكرية ليصبح باتـا هو الحليف الوحيد لكل القوات المتحاربة من المعسكرين، وبعد الحرب العالمية الأولى أصبح لـ باتـا مصانع وشركات في العديد من دول العالم مثل "بولندا ورومانيا وسويسرا وفرنسا" وكان توماس باتـا لديه سياسة لم تكن متبعة قبل ذلك.

العمال داخل المصانع
العمال داخل المصانع

كان توماس يقوم بإنشاء مدينة حول مصنعة لكي يقيم العمال في تلك المنازل ويدرس أولادهم في تلك المدارس مثل مدينة باتادروب في هولندا ومدينة سيفت في سلوفاكيا وغيرها من المدن، وبعد وفاة توماس باتـا في عام 1932 تولى قيادة تلك الإمبراطورية أبن شقيقه انطونيان "جان" والذي صار على نهج توماس الاقتصادي.

فتوسعت الشركة لدرجة ان مصانعها وصلت إلى الشرق الأوسط حيث أقيمت شركة باتـــا في مصر في بداية الثلاثينات وأيضا العراق وغيرها من الدول من اقتراب شبح الحرب العالمية الثانية، استطاع جان بـاتا ان يقوم بنقل كل عمال شركته اليهود في التشيك منها على فروع الشركة خارج التشيع وبعيدا عن أتون الحرب خوفا من الغزو النازي الذي تحقق بالفعل.

إعلان قديم
إعلان قديم

وفي عام 1939 افتتح جان بـاتا شركة باتا للاستيراد والتصدير في مدينة تورينو بكندا، وكان هذا هو احد اهم القرارات في مسيرة إمبراطورية بـاتا، حيث مع الاجتياح النازي لتشيكوسلوفاكيا تحولت مصانع باتا لخدمة الجيش النازي بل تحول العمال للعمل بالسخرة وسجن جان باتـا لفترة قصيرة ثم خرج وقام بمهادنة النازي بينما قام بتأييد حكومة التشيك الحرة في منفاها في أوروبا، ولكن عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية واستيلاء الشيوعية على أوروبا الشرقية تم تأميم مصانع بـاتا في كل أوروبا الشرقية، لتتحول وجه امبراطورية بـاتا إلى كندا التي أصبحت هي المركز الرئيسي.

في مصر ظلت بـاتا هي الحذاء رقم واحد في القطر المصري، وتوسعت أنشطتها ومصانعها فلم يعد لديها ذلك المصنع الوحيد في شارع عماد الدين بل اقامت مصنعا لها بورسعيد واخر في الإسكندرية واخر في المنصورة، قبل ان تقوم ثورة يوليو ويقرر عبدالناصر تأميم شركات القطاع الخاص ومنها شركات بـاتا عام 1961، لتنقطع صلة الشركة في مصر بالشركة الأم، وتظل منتجات باتـا في متناول يد الأسرة المصرية إلى الأن.