القاهرة - 1906
من وجهة نظر جندي يخدم الإمبراطورية البريطانية، كتب قنصل إنجلترا ووكيلها السياسي في مصر، اللورد كرومر، تقريرًا عن الأحوال المالية والإدارية في مصر، بين ثنايا التقرير ظهر مقته للشرق، واستخفافه بالمصريين، وسلخهم عن العروبة، حاول خلخلة مؤسسة الأزهر والاقتصاد المصري، فرضت بلاده الاستعمارية رسوم ضريبية على المنتج الوطني، ما جعل المقارنة مع امتيازات المنتج الأجنبي المستورد غير متكافئة، والمحصلة فقرة ذكرها اللورد: "اختفت الصناعة الوطنية من الأسواق، ولم يعد موجوداً إلا السلع الأجنبية".

يوم أمطرت سماء القاهرة ذهبًا


في محطة مصر، عام 1921، وقف شاب من الإسكندرية اسمه سيد محمد ياسين، بجانب حقيبته الثقيلة، يتأمل العاصمة الغارقة في المطر والكتل الطينية، في تلك الليلة أضرب عمال الترام عن العمل، واستغل سائقو الحناطير سوء الأحوال الجوية وضاعفوا الأجرة، وكان من حظ ياسين سائق ضرب السعر العادي في رقم سبعة. في هذا الموقف ينشغل العاديون بالتفكير في كوب شاي ساخن، بينما الاستثنائيون ينظرون إلى السماء ويقولون باستنكار: "من الذي قال إن السماء لا تمطر ذهبًا؟".

كل القرارات التي أعقبت المطر من إضراب واستغلال للوضع، كان بمثابة تحفيز لـ"ياسين" لابتكار فكرة مختلفة، في هذه الليلة قرر أن يدخل خط نقل داخلي في القاهرة لمواجهة جشع الحناطير والإضرابات، جاء بعربتي لوري وبدأت التجربة تأتي ثمارها بمكسب 120 جنيهًا في الشهر، ما شجعه على شراء ٢٢ أتوبيساً جديداً، وسيرها في خط جديد، ومضت ٤٤ يوماً، ولم يركبها شخص واحد وبلغت خسارته ألوف الجنيهات، الناس دومًا يخشون الجديد، ومع ذلك كان ياسين مصرًا على أن تسير الأتوبيسات في مواعيدها المحددة، ومع الوقت أعتاد المصريون على الحافلة التي تسير في شوارع القاهرة، كان بداخله يقين أن الثقة سوف تأتي، وصدقت توقعاته، دخلت مصر الأتوبيس ولم تخرج حتى الآن.

كان مشروع ياسين خطيرًا رغم بساطة الفكرة، لقد استطاع شاب مصري أن يثبت قدرة المصريين على الإبداع والتطور، وأن الأمر ليس حكرًا على البريطانيين فقط، انزعج أصحاب المصلحة من رحلة صعوده، وتم سحب رخص الأتوبيسات ومنحها إلى شركة إنجليزية.

لجأ ياسين إلى القضاء، ووضع أمام خيارين إما الحصول على 150 ألف جنيه بعد عشر سنوات من الحكومة المصرية، أو القبول بـ 16 ألف جنيه، ماذا تفعل لو كنت مكانه؟

(وقت مستقطع)
في منزل سيد بك محمد ياسين، ولد طفل تفتحت عيناه في أسرة تعمل في الأعمال الحرة، الأب كان مقاولًا في تقوية جسور النيل، فضلًا عن عمليات المقاولات العامة الأخرى، وكان يمتلك مراكبا لنقل المحاصيل الزراعية، في خضم هذه النجاحات تعلم الابن أصول التجارة من والده، وتعلم منه أيضًا أن رأس المال لا يتنافى مع الجانب الإنساني، كان يشاهد الأب يقبل ضمانة أصدقاءه في مبالغ مالية كبيرة، وكانت تلك الخطوة نقطة تحول في مسيرة حياة الابن "محمد سيد ياسين".

كتب الصحفي علي أمين، في أخبار اليوم، أكتوبر 1957، مقالًا عن محمد سيد ياسين: "قال لي رجل الأعمال محمد ياسين، إنه بدأ من الصفر، وبدأ حياته العملية بدين عات قدره ٣٠٥ آلاف جنيه، وفضل أن يشقى ويجتهد ويعمل على سداده، وكانت كل هذه الديون "دين شرف" أي ضمانات لأصدقاء صهينو على الدفع، وتمثل هذه التجربة مفتاحاً لفهم شخصية الاقتصادي الكبير التي كانت تتميز بالجدية والالتزام وتحمل للمسؤولية، وتجنب كل ما يثير الشبهات".

فكرة خارج الصندوق "الزجاجي"


لم تكن الحياة عادلة مع إمكانيات الشاب الطموح عندما ورث عن والده التجارة والديون، ومع ذلك تخطى الصعاب، لهذا لم يفكر كثيرًا عندما عرضت عليه الحكومة تعويضًا فوريًا بـ16 ألف جنيه، قبل العرض وبداخله أمل أن يحقق أرباحًا في مشروعه المستقبلي.

في غرفة خفير منزله، وقف ياسين أمام لمبة الجاز البلجيكية، متسائلًا عن تاريخ صناعة الزجاج، وكيف كان للحضارة المصرية القديمة دورًا في ازدهارها، "وفقًا لتقرير صادر عن الحكومة المصرية في مطلع 1928، كانت مصر تستورد من الخارج جميع ما تحتاج إليه من زجاج"، كانت أفكار ياسين لإعادة إحياء المنتج المصري بمثابة تحدي لمزاعم "اللورد كرومر" تجاه الشعب المصري، وكعادته نفذ أولى خطواته فور اكتمال المشروع في رأسه، ذهب إلى أوربا وزار مصانع الزجاج، درس كل ما يؤهله للعمل في تلك الصناعة، وأحضر للقاهرة خبراء يساعدونه في تحقيق حلمه، إنشاء أول مصنع زجاج في مصر والشرق الأوسط.

مرت السنوات الأولى دون تحقيق نجاح يذكر، اعتمد على نمو بطئ لثقة المصريين في منتجه، وانتظر قرابة ثلاث سنوات حتى يحصد النجاح، وفور احساسه باستحقاقه منافسة الشركات الأجنبية، باع قطعة أرض ورثها عن والده، وأتوبيساته التي كانت يومًا ما حديث القاهرة كلها، ووجه رأس ماله لمشروع مصنع ياسين للزجاج في شبرا الخيمة، وحصل على قرض من بنك مصر، بمساعدة وتأييد الاقتصادي طلعت باشا حرب.

بعد نحو عشرون عامًا، قامت ثورة 23 يوليو 1952، ونال مصنع ياسين للزجاج، نصيبه من التأميم وصار شركة النصر للزجاج والبلور، وفي المقابل أعطت الدولة لياسين، سندات مالية تقدر بـ 15 ألف جنيه مصري، عائدها الشهري 30 جنيها. وفي عام 1971، رحل رائد صناعة الزجاج في هدوء.

في التسعينات أصبح مصنع محمد سيد ياسين المعروف باسم "مصنع النصر للزجاج والبلور"، مطمعًا للمستثمرين، وفي ظل مشروع الخصخصة، توقف المصنع لعدة سنوات، لكن بعد قيام ثورة 25 يناير، قام العمال المتبقيين بعد المعاش المبكر والتصفية بالمطالبة لعودة نشاط أول مصنع للزجاج في الشرق الأوسط، وبالفعل عادت الحياة للآلات وارتدى العمال القفازات مرة أخرى منذ عام ونصف.

النصر لصناعة الزجاج والبلور
النصر لصناعة الزجاج والبلور

مصادر: صنايعية مصر "عمر طاهر" – محمد سيد ياسين لـ"سعيد شعيب"- ياسين رائد الزجاج "المصري اليوم".