الإسكندرية، ليست تلك المدينة متعددة الأعراق والثقافات فقط، ولكنها خبيئة كتلك التي تركها الفراعنة، خبيئة لها اسرارها ولعنتها وثقافتها ومطربيها، نعم لإسكندرية فنانوها ومطربوها فقط، لا يخرجون للعاصمة ويعرف الاسكندرانية كنجوم، بينما يمكن ان نسمع عنهم نحن إذا تعمقنا في البحث او بالصدفة مثل بحر أبو جريشة، أو بطل قصة اليوم عزت عوض الله.

أمانة تكون حنيّن وخلي الصعب هيّن" تلك الجملة التي استوقفتني مرارا وتكرارا، كلما سمعت اغنية مرقص عوض الله باسيلي او عزت عوض الله كما نعرفه الأن، فتلك الجملة التي يستجدي بها الحبيب، تصلح ان تكون رجاء حار لحظ وقدر كان في أقسى حالاته مع موهوب شديد الجمال كعزت عوض الله،، الرجل الذي قتله سوء الحظ واليأس والإسكندرية.

مرقص عوض الله باسيلي ولد في الإسكندرية في 3 مارس عام 1934، بغيط العنب بالإسكندرية. التحق في بداية حياته بمصلحة التليفونات كعامل صيانة، ولكن عزت كان عاشقا للموسيقى، وصوت شعبي من طراز نادر للغاية، تلك الحنجرة التي لم يهبها الله إلا لأقل القليل من المطربين، الصوت الطيع الصادق للغاية لم يجد له مكانا مناسبا تحت الشمس.

إذا كان الوعي الجمعي والموروث الثقافي يقر ان حظ الأنسان في الدنيا هو 24 قيراط، يتم تقسيمهم بين نعم الله المختلفة، يمكننا القول إن عزت عوض الله قد وهبه الله 23 قيراط من رزقه صوت وموسيقى، بينما وزع القيراط الباقي في مختلف سبل الحياة.

عزت بدا الغناء بشكل احترافي في إذاعة اسكندرية والتي افتتحت عام 1954، أي وهو ابن العشرين عام، شاب صغير السن للغاية يعشق الغناء، ويمتلك صوتا شجي نقي صادق، كان لابد ان تلتقطه القاهرة مباشرة، وان يكتب له كبار الكتاب ويلحن له أعظم الملحنين، ولكن هناك شيئا ما يقف في طريق هذا الموهوب، شيء أكبر من الكسل او التراخي أو حتى الاندفاع، شيء يشبه الشر في الأساطير الإغريقية.

في أحد الأيام يستمع له الكاتب والصحفي والمنتج جليل البنداري، ليقرر ان هذا الصوت لابد ان يرحل للقاهرة، لا يمكن ان تحتكره الاسكندرية طويلا، بل ويعد البنداري عزت ان يرعاه ويتبناه ويقدمه للكتاب والملحنين ولكن للأسف الشديد توفى جليل البنداري قبل ان يحقق وعده لسيء الحظ عزت عوض الله.

لم تكن تلك المحاولة الوحيدة لهجرة عزت للقاهرة، القاهرة ترفض عزت بينما تتمسك به الإسكندرية، وفجأة أصبح هذا الصوت الشعبي الجميل سجين جلسات السمر الليلة وقعدات الكيف وإذاعة اسكندرية، مغرقا في المحلية وقع عزت عوض الله، فأغلب إن لم تكن كل اغانيه كانت كلمات وألحان فنانين اسكندرانية مثل أغاني " رق حبه" "الحلو ساكن في باليون" "باين عليه اسكندراني من لهجته" "يا بنات اسكندرية" ورائعته الأكثر شهر " يا زايد في الحلاوة"، وإضافة لكونه مطرب فهو ملحن من طراز نادر للغاية، فكان يلحن أغلب أغانيه مثل "يا زايد في الحلاوة" و"رق حبة".

الاغنية الوحيدة التي حملت توقيع فناني القاهرة العامرة، هي اغنية "كبرنا على الحاجات دي" والتي كتبها له عبدالرحمن الأبنودي ولحنها فتحي حجازي، غير هذا قدم عزت العديد من الأغنيات مع بدرية السيد ولكن الشر الإغريقي المسيطر على عزت جعل بدرية تشتهر وحدها دونه.

ولتكتمل دائرة النحس خلط عزت الخمر باليأس وسقط صريع السكر الدائم، امر ربما أثر على أحباله الصوتية ولكنه ظل الصوت الذي لا تسمعه إلا في اسكندرية، حتى اغنيته المشهورة ظل العديد ينسبها لمطرب اخر وهو محمد فايد وغناها من بعده عدوية، ولم يشفع لعزت أن نجيب محفوظ ذكره في رواية ميرامار وذكر اغنيته يا زايد في الحلاوة، وظل عزت حبيس الإسكندرية مجهولا لمن ليس من ابناءها.

واستكملا لمسلسل الأسطورة الاغريقية، جاءت نهاية عزت، استيقظت الإسكندرية لتطمئن على سجينها فوجدته مقتولا ملقى على بجوار أحد الأرصفة، كسجين أبدى قضى نحبه في محبسه، وظل مجرد جثة مجهولة حتى تم التعرف عليه، ولكن لم يتعرف أحد على قاتله وكما عاش عزت مجهولا عاش قاتله، ليرحل عنا في 17 أغسطس عام 1975.

شكر خاص: للكاتب شريف حسن ومقاله "عزت عوض الله المجهول في الحياة والموت" والذي يعد المرجع الأول والأساسي لقصة عزت عوض الله.