التغيير أهم شيء بالنسبة للشعوب التي تنتظر الأمل. ولا أمل من دون انتظار نتائج هذا التعديل الجديد. فعندما تختفي قدرتنا على التغيير يتملكنا اليأس، ويتمكن منا الإحباط، ونفقد الإحساس بالحياة.. هكذا يقول زملائي "الفلاسفة". وأرجوك لا تسألني: ومنذ متى وأنت أصبحتَ فيلسوفًا؟

التعديل الوزاري الجديد يذكرني بـ"الحكومة"- الاسم الحركي لزوجتي حماها الله- عندما كانت حاملًا في شهرها الأخير، وكل يوم أسألها: هتولدي إمتى؟.. فتجيبني: ربنا يسهل.. ونستمر على هذا المنوال؛ حتى تضع حملها، ويهل علينا المولود الجديد!

منذ أكثر من شهرين وحتى الاستقرار على القائمة النهائية للتعديل "الجملي"، ورئيس الوزراء، شريف إسماعيل، كان كالزوج الذي ينتظر خارج "كشك الولادة"، يُبسمل، ويهلل، ويحوقل، ويضرب أخماسًا في أسداس.. ثم أخيرًا تنفس الصعداء عندما خرج الطبيب من غرفة العمليات، وزفَّ له البشارة: "مبروك جالك تعديل زي القمر"!

ظني أن "الباشمهندس" صلى ركعتي شكر للمولى- عز وجل- الذي وفَّقه لهذا التعديل، وأتمه عليه، بعد فترة مخاض عسيرة، داخ فيها السبع دوخات، وظل يتفحص "سيفيهات" المرشحين، ومين يصلح للوزارة دي، ومين ييجي هنا، ومين يروح هناك.. حاجة مرهقة جدًا جدًا.. وكان الله في العون.

هييييه.. الله يرحمك يا عم مجاهد.. فين أيام ما كان عود القصب بزعزوتين، وكان جوز الحمام 3 فرد؟!.. فين أيام ما كانوا بيختاروا الورزا بـ"التليفون" في نص الليل، وتاني يوم الصبح بيكونوا قدام الرئيس ليحلفوا بيحلفوا اليمين، والفرحة بتنط من وشهم؟!

في الأنظمة السابقة كانت فرصة اختيار الوزراء كبيرة جدًا.. كانت هناك أسماء تتمنى- مجرد التمني- أن يكون اسمها ضمن قائمة المرشحين لأي وزارة.. الآن قلبي مع الرئيس السيسي، وصدق حين قال: "فيه ناس كتير بتعتذر، ومش عايزين يبقوا وزراء"!

كلام الرئيس صحيح.. فالوزارة لم تعد مغنمًا، كما كانت أيام مغارة علي بابا.. لم تعد وجاهة، مثلما كانت في عهد "الأبهة".. بل أصبحت مغرمًا.. الكل يفر منها كما يفر من الأسد.. ومين يشيل المسؤولية ويجيب لنفسه وجع الدماغ، ويتحمل قسوة الإعلام، ودعاء الناس عليه في البيوت والشوارع، وتقطيع "الفسابكة" و"التويتريين" في فروته، والخوض في عرضه وعرض أسرته؟

ربما يسأل البعض: "لماذا لا نجد مثل هذه التعديلات الوزارية في الدول المتقدمة؟.. والإجابة- بعد بسم الله الرحمن الرحيم- أن الوزير عندهم مهمته الأساسية الإشراف على تنفيذ سياسات وبرامج وخطط مُعدة سلفًا من قِبل مؤسسات دولية معتبرة، ولا يختلف وزير عن آخر إلا في نسبة تنفيذ هذه المهام. ومن هنا يكون استقرار الوزراء وبقائهم فى مناصبهم حتى تغيير الحكومة، أو تورطه في قضايا فساد.. والعكس صحيح في بلادنا!

ربما كان البحث عن الأكفأ، والشخص القادر على إحداث طفرة في المرحلة المقبلة، كلها عوامل أدت إلى تأجيل الإعلان عن التعديل الذي طال انتظاره.. فالبحث عن الأفضل هو جانب مهم في أي تعديل وزاري. لكن الأهم منه تحقيق الأمل الذي نتطلع إليه؛ أمل الرفاهية؛ أمل الخروج من أزماتنا الاقتصادية؛ أمل تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير حياة إنسانية كريمة.

قطعًا، الوزراء الجدد سيثيرون اهتمام قطاع عريض من الشعب، والناس سيأملون فيهم خيرًا عن سابقيهم.. فإذا نجحوا فألف بركة، وإن أخفقوا فما على "شريف إسماعيل" إلا إجراء تعديل جديد؛ لتجديد الأمل.

على أية حال.. ها هو التعديل الوزاري اكتمل نموه، وخرج من رحم التكتم والمشاورات والمحايلات إلى نور الحياة السياسة؛ ليصطدم بآمال وطموحات شعبٍ واجه ظروفًا صعبة للغاية، وتحمل ما لم يتحمله بشر.. فهل يحنو الوزراء الجدد على الشعب، أم يزيدون من آلامه وأوجاعه؟