طالما هنتكلم عن الاعلام .. يبقى المفروض يكون حديث طويل ..مؤلم.. شائك .. يسترجع ذكريات زمن فات كله ارتقاء وثقافة . ومقارنة بوضع حالى كله سفه وتفاهة و سطحية ونشر لسلوكيات لا تليق بمصر وشعبها.

لكن مش هطول عليكم وهتكلم في حدثين بالتحديد حصلوا مؤخرا كان الاعلام هو البطل السىء في حدوثها.

الحدث الأول: وفاة شاب ضحية بلطجة أصحاب الكافيهات والمطاعم أثناء مشاهدته لمباراة المنتخب فى نهائى كأس الأمم الأفريقية بسبب خلاف على طريقة دفع الحساب وحجز رواد المطعم بداخله.

طيب والاعلام ذنبه ايه فى هذه الحادثة؟

طبعا هى مش الأولى من نوعها.. كل يوم بتحصل البلطجة بشكل أو آخر والتمن روح إنسان.. فقدناها ومستحيل ترجع ..وانتشار البلطجة فى مجتمعنا أصبح ملفت للنظر سواء بلطجة سلوك أو عنف أو حتى ألفاظ .. والسبب يرجع لتفكير جمعى انتشر بين الشباب بصفة خاصة نتيجة انتشار مشاهد العنف والبلطجة فى المسلسلات والأفلام وتصويرها للمشاهد على إنها (فهلوة) و شطارة وجدعنة من ابن البلد الساكن في الحى الشعبي.

أو برامج سطحية فيها المذيع مثير المشاكل أو المذيعة ذات التفكير الضئيل والمكياج الكثير يستضيفوا اللى قتل واللى سرق واللى شتم واللى نصب .. ويتصدروا اعلانات القنوات و صفحات مواقع التواصل الاجتماعى ويصبحوا حديث المجتمع .. ويزيد اللغو و الجذب والشد فى الحديث ... ويضيع المجتمع أكثر فى التفاهة وتمتلىء جيوب المذيعين بالاموال على حساب عقول الشباب و تفكيرهم.

والنتيجة الطبيعية يخرج جيل متأثر بهذا البطل وتقليده فى كل تصرفاته بدون وعى.. لإن ببساطة أصبح المعظم عايز يعيش دور البطل .. بطل من ورق.. بطل بالكذب و البلطجة والصوت العالى و الايد الطايلة الباطشة .. لا احترام ولا ارتقاء ولا أخلاق حارتنا الجميلة اللى شفناها زمان فى قصص نجيب محفوظ ويوسف السباعى.

المشهد اختلف .. والنتيجة بلطجة الشارع .. وأرواح تزهق فى غمضة عين على أبسط الأسباب.

الحدث الثاني: من كام يوم كانت الندوة التثقيفية الـ 24 للقوات المسلحة والتى كانت بعنوان مجابهة الإرهاب - إرادة أمة .. وبحضور سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى ... وقادة القوات المسلحة.

من ضمن فعاليتها كلمة لبطل فوق العادة .. تحدث لمدة دقائق عن بطولة كنا نعتقد إنها توجد فقط فى الأساطير ولكن كلماته ووقوفه أمام الكاميرات يتحدث عن أصعب وأعظم وأشجع المواقف اللى مر بها فى مواجهة الارهاب والحفاظ على أرض مصر .. أكد لنا إنها حقيقة ممكن ولكن فقط فى الجيش المصري وابناءه.

البطل هو الرائد كريم بدر واللى قال بالنص : "وضعت ذراعى المقطوعة فوق المركبة ، ثم امسكت سلاحى الشخصى وتعاملت مع الارهابين"!!

أكيد هنا سؤال .. طيب والاعلام ذنبه ايه كمان هنا؟؟ فين خطأه؟؟

هاقولكم ليه .. لولا الندوة التثقيفية .. ماكناش سمعنا عن سيادة الرائد وقصة بطولته الغير عادية ... هو و باقى أبطالنا من جنود وظباط الجيش المصري وشهداءنا اللى ضحوا بأرواحهم علشان إحنا نكمل حياة.

الاعلام ببرامجه ومذيعيه و المواد الاعلامية على القنوات ماكلفوش خاطرهم وفكروا انهم ممكن يستضيفوا أبطالنا من الجيش المصري ويفردوا لهم مساحة اعلامية كافية تليق بهم وبإنجازهم.

لكنها برامج لا تبث إلا الاحباط واليأس والمشاكل وتضخيمها من غير وضع حلول لها .. من غير وضع الصور المشرقة لهؤلاء الابطال يعطونا الأمل فى بكرة.

والاخطر والأكثر استفزازاً .. إن فى الوقت اللى الرائد البطل كريم بدر يظهر لمدة دقائق فقط .. نلاقى برامج مستضيفة أحد من يطلق عليهم ممثلين.. شاب لا يملك إلا السطحية والاسفاف ومعاداة الوطن .. وبرغم ده يتم استضافته لساعات على إحدى القنوات لإزعاجنا عن بطولاته الزائفة التافهة.

وتتم من تانى برمجة سلبية لعقول شبابنا بعيدا عن اعطاء المساحة الكافية للابطال الحقيقين سواء عسكريا أوعلميا أو أدبيا ...
كإن هناك دور معاندة واصرار على ابراز المزيفين و تجاهل الرقى و طمس القدوة.

عايزة أقول للاعلاميين:

ارحمونا.. هؤلاء التافهين مش هينقذوا حياتكم ولا هيضحوا علشان تفضلوا مشهورين.

كفاية نظرة مادية و بحث عن اللى يملأ الجيوب بعيدا عن العقول.

كفاية نظرية جذب المشاهد بالبرامج المبتذلة.. لإن ممكن جدا يتم جذبه بالثقافة والفن ولكن فى اطار شيق محترم.

كفاية تكرار نفس الوجوه المملة اللى عفى عنها الزمن و توقفت عن اعطاء أى شىء جديد .. وابحثوا عن كنوز البشر فى أهل مصر ومواهبهم.

كفاية دعم للمتلونين سواء بكلام مزيف أو ببودرة المكياج.. واظهروا الوجه الحقيقى الجميل لمصر حتى وإن كان بسيط.

كفاية منهج اعلامى بدأ من سنين دمر ثقافتنا .. وما أخدناش منه إلا الفوضى و انحدار المجتمع.

يا إعلام مصر .. ارحم مصر