أهداف عدة حققتها الزيارة الأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أسوان؛ لحضور مؤتمر الشباب.. فقد كانت سببًا لوقوف رأس القيادة السياسية- دون حُجُبٍ- على المشاكل والتحديات التي عرقلت- ولا تزال تعرقل- تنمية "نصف مصر".

لقد كانت الأنظمة- على مدار العقود السابقة- ترى أن الصعيد لا يتسحق مجرد الالتفات إليه؛ فعانت المئات من مدن، وقرى، ونجوع محافظات الوجه القبلي من قسوة التجاهل والتهميش؛ فزادت معدلات البطالة، والفقر، وتدهورت المرافق، وتدنت الخدمات العامة من صحة، وتعليم، وإسكان، ومواصلات.. إلخ.

علاوة على ذلك، وبسبب "المركزية" التي يعاني المصريون منها، يضطر كثير من أبناء الصعيد للسفر إلى القاهرة، أو الهجرة إليها؛ لقضاء مصالحهم، أو الإقامة والاستقرار فيها؛ أملًا في إيجاد أدنى متطلبات الحياة التي تحفظ لهم كرامتهم وآدميتهم.

ورغم أن نهر النيل يشق محافظات الصعيد؛ إلا أن الصعايدة أنفسهم يعانون من عدم وجود مياه نظيفة وصالحة للشرب، وري محاصيلهم.. ليصدق عليهم قول الشاعر:

كَالعِيسِ فِي الْبَيْدَاءِ يَقْتُلُهَا الظَّمَا وَالْمَاءُ فَوقَ ظُهُورِهَا مَحْـمُولُ

لماذا تدهورت أحوال الصعيد إلى هذه الدرجة؟ وما الذي يعرقل التنمية والاستثمار في هذه المساحة الشاسعة؟ ولماذا يحاسب كل الصعايدة على فاتورة أشخاص كانوا سببًا في أن تولي الأنظمة والحكومات السابقة ظهرها للوجه القبلي؟

كان الصعيد محظوظًا بثورة يوليو 1952، فقد امتدت إليه بعض مظاهر التنمية الاقتصادية والاجتماعية.. وفي ستينيات القرن الماضي أنشئت المصانع الكبيرة، مثل "سوهاج للغزل والنسيج بمساحة 80 فدانًا"، و"مجمع الألمونيوم" بمساحة 5 آلاف فدان. لكن دوام الحال من المحال.. ففي منتصف سبعينيات القرن الفائت، ومع سياسة الانفتاح "السداح مداح"، عادت يد الإهمال تسلل إلى الصعيد، و"رجعت ريمة لعادتها القديمة"، ولم يعد للصعيد ذكر، تقريبًا، في خطط وسياسات التنمية خلال عهدي أنور السادات وحسني مبارك.. فماذا كانت النتيجة؟ باختصار، تفاقمت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؛ وانتشرت أمراض الأمية، والفقر، وساعد ذلك على انتشار ثقافة العنف والتطرف، حتى أصبح الصعيد بيئة خصبة لتفريخ المتطرفين وأمراء الإرهاب والتنظيمات الإرهابية المسلحة.. بعدما كانت أرض الصعيد الطيبة، مفرخة للأدباء والمبدعين.

لقد ظل الصعيد نسيًا منسيًا حتى تعاظم دور الجماعات الراديكالية، في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي، ودخلت في صدامات مسلحة مع الدولة.. بل ونجح بعض أفرادها في اغتيال الرئيس السادات عام 1981.

وربما كانت هذه الجريمية إضافة إلى جرائم أخرى ارتكبها إرهابيون بحق كبار المسؤولين المصريين، ثم اغتيالهم بعض السائحين، ودخولهم في حرب مسلحة مع الدولة.. جعل الحكومات تنظر مجددًا إلى الصعيد، لكن- للأسف- كانت النظرة "أمنية"، أكثر منها تنموية، أو اجتماعية.

ثم جاءت الزيارة الأخيرة للسيسي إلى أسوان، لتمثل تغيرًا في التعامل مع مشاكل الصعيد.. فخلال هذه الزيارة قال شاب أسواني للرئيس إن بعض المسؤولين ألقوا مخلفات الصرف الصحي في النيل؛ خشية أن يشم سيادته "الرائحة الكريهة" التي تنبعث من "مصرف كيما"؛ ما يزيد حالات الإصابة بأمراض عديدة، وارتفاع معدلات الوفاة، إضافة إلى تأثيرها الضار على البيئة والحياة بوجه عام! المدهش كان رد فعل الرئيس، فقد غيَّرَ من برنامج الزيارة المُعد له سلفًا، وذهب بنفسه ليرى "مصرف كيما"، ويصدر قرارًا بالمعالجة الثلاثية لمياه الصرف الصحي على مستوى الدولة للتعامل مع المياه كثروة وفق معايير دولية.

وعلى الرغم من هذه اللفتة "الذكية" للسيسي إلا أننا كنا نأمل بمعاقبة المسؤولين المتورطين في هذه الفضائح؛ ليكونوا عبرة لأمثالهم؛ وحتى لا يلوث أي مسؤول بمياه النيل، أو يفكر في الإضرار بصحة المصريين، من أجل ألا تصل الرائحة الكريهة لـ"أنف الرئيس"!