منذ بداية الأزمة الليبية في 2011، ومصر لا تألو جهدًا في التوصل إلى حلولٍ سياسية ودبلوماسية تهدف بالأساس إلى الحفاظ على وحدة التراب الليبي، مع استبعاد أي حل عسكري؛ تأكيدًا لاتفاق مدينة الصخيرات، وكذلك البيان الختامي لوزراء خارجية دول الجوار الليبي (مصر، تونس، والجزائر).

وتبذل القاهرة جهودًا كبيرة للم شمل الفرقاء الليبيين، والتأثير على الأطراف الخارجية التي تهدف إلى تغذية النعرات الطائفية، وتأجيج الفتن بين أبناء الشعب الليبي؛ أملًا في إطالة أمد النزاع الداخلي؛ والحصول على بعض المكاسب الاقتصادية والسياسية.

الموقف المصري تجاه ليبيا ينطلق من تأكيده على أن الأزمة "ليبية- ليبية". وهو ما أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته بأعمال القمة العربية بشرم الشيخ في مارس 2015.

كما أن أن قائد الجيش الليبي، المشير خليفة حفتر، أكد عقب زيارته الأخيرة للقاهرة في 19 يناير، على أهمية الدور المصري، مرحبًا بحوار "ليبي- ليبي" تحت رعاية القاهرة.. وفي الوقت ذاته كشف هذا التأكيد عدم ثقة "حفتر" في أي مبعوث آخر، أو أية وساطة عربية أو دولية أخرى.

إن مصر تعي جيدًا التطورات التي يشهدها المجتمع الدولي، وإعادة صياغة خريطة التحالفات في المنطقة؛ لذا لم تقف مكتوفة الأيدي تجاه ما يحدث في ليبيا، بل ألقت بثقلها، واستعادت دورها الإقليمي، ورحبت بأي حل سياسي يحافظ على سيادة الدولة الليبية ووحدة ترابها، مع إعلان رفضها القاطع لأي حل عسكري، قد يؤزم الأوضاع في ليبيا، ويمنح التنظيمات الراديكالية، والميليشيات المسلحة فرصة لاستعادة نشاطها الإرهابي؛ خاصة وأن العملية العسكرية -"غير المكتملة"- لحلف شمال الأطلسي "ناتو"، كانت عواقبها كارثية على الشعب الليبي، وجعلت العصابات المتطرفة تتحكم في مصيره.

سيادة ووحدة التراب الليبي، وإعادة الأمن والاستقرار للبلد العربي الشقيق لا يحتلان أهمية قصوى عند الليبيين فقط، بل للمصريين أيضًا؛ لاعتبارات عدة، أهمها الأمن القومي المصري، وتأمين العمق الاستراتيجي، إضافة إلى الجوار الجغرافي والروابط التاريخية بين الشعبين الشقيقين؛ ما يعني وحدة الهدف والمصير الليبي المصري.

لقد رفضت القيادة السياسة في مصر، ولا تزال ترفض بشكل قاطع، فكرة العصابات والميليشيات الإرهابية المسلحة غير الخاضعة لسلطة الدولة الليبية، في الوقت الذي تدعم فيه الأطراف الشرعية المتمثلة في مجلس النواب بطبرق، أو الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر.

بل إن المساعي الدبلوماسية المصرية نجحت في فرض "حفتر" على طاولة المفاوضات، كطرف ليبي أصيل لا يمكن إغفاله من معادلة حل الأزمة الليبية.

في الوقت نفسه، لم تغفل القاهرة احتضان القوى السياسية والبرلمانية، والمثقفين، ورؤساء القبائل الليبية، وإجراء مشاورات بين كل هذه الأطراف؛ أملًا في التوصل إلى حل توافقي، بعيدًا عن القوة العسكرية، والتدخل الخارجي.

رأينا ذلك بوضوح في استضافة رئيس الأركان المكلف بالملف الليبي، الفريق محمود حجازي، لكل من رئيس مجلس النواب الليبي، "عقيلة صالح"، ثم رئيس الحكومة الانتقالية، "فايز السراج"، وبعدها لقاء قائد القوات المسلحة الليبية، المشير خليفة حفتر؛ في محاولة لإيجاد صيغة تفاهم مشتركة لحل الأزمة الليبية.

وفي 12 و13 ديسمبر الماضي، وبمشاركة مصرية رفيعة المستوى، اجتمع في القاهرة أكثر من 40 شخصية ليبية؛ لبحث الأزمة الليبية، انطلاقًا من اتفاق الصخيرات، باعتباره الحل الأمثل للوضع في ليبيا.

وخرج المشاركون في هذه الاجتماعات ببيان توافقي بشأن عدة نقاط أهمها: التأكيد على سيادة ووحدة الدولة الليبية. حرمة الدم الليبي. الحفاظ على وحدة الجيش والشرطة والمؤسسات الوطنية والاضطلاع بمسؤوليتها؛ بما يضمن تحقيق العدالة، وقبول الآخر، مع رفض كافة أشكال التهميش والإقصاء، وكذلك رفض التدخل الأجنبي وإدانته، إضافة إلى بحث المسار الديمقراطي لتداول السلطة.

إن كافة المعطيات تشير إلى نجاح الدبلوماسية المصرية في الوصول بالأزمة الليبية إلى بر الأمان؛ وتجنيب الشعب الليبي كارثية الحل العسكري، والوقوع في براثن التنظيمات والعصابات الإرهابية المسلحة.. وكل ذلك لن يتحقق إلا بتخلي القوى السياسية والشعبية الليبية عن بعض مكاسبهم، والعمل على إعلاء المصلحة الوطنية؛ حتى ينعم الليبيون بالأمن والأمان والاستقرار.