بين السعادة والبؤس أرادوا لنا أن نعيش في دوامة من المقارنات على أحوالنا، لم يحاولوا كثيرًا أن يجتهدوا لكي ينقلوا لنا كيف اجتهد التاريخ الفلسفي لبيان أركان السعادة الحقيقية، ربطوا السعادة دائمًا بإشباع حاجات وملذات حياتية، فسمعنا عن وزارة للسعادة في دولة الإمارات، ويكررون علينا دائمًا أن الدول الإسكندنافية هي أسعد دول العالم ولم يقولوا لنا أنها تشهد أعلى معدلات الإنتحار في العالم.

صور أراد من ينقلوها لنا أن يربطوا السعادة بمفاهيم وقيم مادية، ومقاييس للسعادة وفقًا للرؤية الغربية التي تبتعد بنا كثيرًا عن جوهر السعادة الحقيقية التي يمكن للإنسان أن يشعر بها في حياته الأرضية، رؤية للسعادة تجعل المواطن ناقمًا على أوضاعه التي تبتعد كثيرًا عن المقاييس والمعايير التي يفرضونها عليه فرضًا والتي تجعل من قاطني هذه الدول يوصفون بأنهم الأسعد على جه الأرض، ومن ثم يسهل كثيرًا إستثارة هذا المواطن وإشعاره بالإحباط على أوضاعه التي يصورونها أنها الأكثر بؤسًا وتعاسة.

حيث ربطوا السعادة كما ذكرنا بتحقيق أكبر قدر من المتطلبات التي تشبع رغبات الجسد وتروي الذات الحسية المادية عن طريق الأكل والشرب وإمتاع الغرائز وإشباع الشهوات واللذات الحسية.

بينما نجد أن السعادة قد اقترنت عند الفلاسفة بالعقل والعمل والأمل والمنطق من أجل معرفة المعقولات والخالق الصانع. أما السعادة عند المتصوفة فتنبني على الباطن والعرفان الروحاني والمعرفة اللدنية والارتماء بين أحضان الذات المعشوقة انكشافا ووصالا وتجليا. لكن، المؤكد أن السعادة الحقيقية لايمكن أن تقتصر على عنصر دون آخر، فالسعادة في الحقيقة هي نسق متكامل، فالإنسان لايمكن أن يعيش بالقلب وحده، ولا بالجسد وحده، ولا بالعقل وحده، ولا بالعمل وحده. ومن ثم، لابد أن يستمتع الإنسان باعتباره كائنا بشريا بالمكونات الأربعة السابقة للسعادة.

ووفقًا لما هو سائد، يعتقد كثير من البشر أن السعادة الحقيقية هي أن يشبع المرء غرائز الجسد وشهوات الذات، وأن يفرط في الأكل والشرب والاستمتاع بمتع الغرائز وشهوات الحس. بيد أن هذه السعادة المادية الخسيسة يجاري فيها الحيوان الإنسان، بل يتفوق عليه كثيرا. ومن ثم، يصبح الإنسان بناء على ذلك حيوانا ماديا ليس إلا. وهو أمر نجحوا فيه مع أغلبنا، وجعلونا نتصور أن الإنسان مبتغاه الأسمى هو السعادة المادية، ونؤمن أنه يجب تحصيلها كلها قبل موتنا، فنجري خلف إشباع إحتياجاتنا جري الوحوش في البرية، بل و نبحث كل حين في حياتنا علنا نجد الجديد من إحتياجات يخلقونها لنا ويجعلونا نتصارع عليها ونبذل كل الجهد لإشباعها وكأننا كنا غافلين عنها.

ويرى الفلاسفة المسلمون أن السعادة الحقيقية تتجلى في إرواء لذة العقل وإشباع الذهن المنطقي بالعلوم والمعارف والفنون، إضافة إلى إعلاء قيمة العمل القائمة على الجهد الذهني. ويعني هذا أن الفلاسفة بما فيهم الكندي والفارابي وابن مسكويه وابن رشد يرون أن السعادة الحقيقية تتمثل في طلب الفلسفة والحكمة ومزاولة (العمل والقيام بمجهود بدني) العلوم المنطقية والنظرية قصد الوصول إلى الحقيقة البرهانية اليقينية الصادقة.

حيث يرى الفارابي أن السعادة لاتكون بالمنافع الحسية ولذة التملك، بل بالفلسفة التي ننال بها السعادة والكمال والفضيلة الكلية الكبرى، ولا تتم الفلسفة إلا بتشغيل العقل والمنطق اللذين يساعدان العارف الحكيم على التمييز بين الأشياء وإدراك الصواب من الخطأ، واصطفاء الخير من الشر والحق من الباطل. من هنا، فالعقل هو السبيل الوحيد لتحقيق السعادة وإدراك الفضيلة وتذوق الحكمة اليقينية على غرار التصور الأفلاطوني والأرسطي للسعادة، ويعد المنطق الذي يعصم الذهن من الوقوع في الخطأ من الآليات المهمة لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة.

ويؤكد الفارابي في كتابه " آراء أهل المدينة الفاضلة"، أن السعادة لاتتم إلا بالمدينة وتدبيرها على أحسن وجه، والمدينة أعم من الاجتماع وأحسن منه، وإذا تحققت المدينة الفاضلة تحققت السعادة، والمدينة الفاضلة هي التي تنبني على الإعمار والعمل الجاد والاجتماع الفاضل والتمدين والتعاون والتدبير الحسن والاحتكام إلى العقل والمنطق وحب الفلسفة والحكمة، ويقودها ملك أو فيلسوف ، وتظهر كالجسد الواحد في تعاونها وتضامنها".

وفي هذا الإطار، هاجم أحمد بن مسكويه النوع من البشر الذين لايرى السعادة إلا في متعة الأكل وحلاوة الشراب وإشباع الغرائز، فهؤلاء يحطمون نفسيتهم البشرية الناطقة الحية بتفائه الأمور الدنيئة وبمتع الدنيا ولذات العاجلة، ويربطونها أيضا بالنفس الحيوانية الساقطة القابلة للزوال باندثار الجسد، ويكون مصيرها وجزاؤها مرتبطًا بمصير الدناءة والجسد الراغب، ولا تشريف لهذه النفس ولا تمجيد، مادامت قد اختارت نطاق الذات وإيثار الجسد وقيد الرغبة المادية الفانية الزائلة. وهكذا، فالفضيلة العليا والكمال الأسمى والسعادة الحقيقية لاتنال باللذات الحسية والرغبات المادية، وإنما بإعمال العقل والعمل الذي يعد أفضل مرتبة من الجسد. وقد أورد فخر الدين الرازي في كتابه" النفس والروح"، عدة حجج للتسفيه بسعادة البدن المرتبطة بدفع الآلام وقضاء الحاجات مع تفضيل سعادة العقل والذهن وإعلاء قيمة العمل التي تحقق للإنسان سموه وكماله وترفعه إلى مراقي الفضيلة والخير الأسمى.

يقول الرازي في الحجة الثالثة: "إن الإنسان يشاركه في لذة الأكل والشرب جميع الحيوانات، حتى الخسيسة منها، فلو كانت هي السعادة والكمال، لوجب ألا يكون للإنسان فضيلة في ذلك على الحيوانات". ويقول في الحجة الرابعة: " إن هذه اللذات الحسية، إذا بحث عنها، فهي ليست لذات، بل حاصلها يرجع إلى دفع الآلام، والدليل عليه أن الإنسان كلما كان أكثر جوعا. كان الالتذاذ بالأكل أتم. وكلما كان الجوع أقل كان الالتذاذ بالأكل أقل".

كما نجد أن شيوخ التصوف كابن عربي وابن سينا والسهروردي يرون أن السعادة الحقيقية المثالية هي سعادة الروح، وتطهير النفس الإنسانية من براثن الجسد والحس، وتجاوز العقل والظاهر نحو كشف الباطن واستجلاء الوجدان والروح، وتحلية النفس من كل قيود الحس وشواغل الدنيا استعدادا للخلوة واللقاء الرباني والارتماء بين أحضان الذات المعشوقة والخضوع لها شوقا وحبا، والاستسلام لها شوقا وحنينا، والميل إليها رغبا ورهبا. بيد أن السعادة الصوفية لا تنال بسهولة ويسر، بل لابد من الصعود والترقي في مجموعة من المراقي والمدارج الصوفية عبر المرور بالعديد من المقامات والأحوال عبر السفر الروحاني، إما بواسطة شيخ عارف، وإما بواسطة قطب عالم، وإما بصحبة صاحب مجرب. ولابد للمريدين أن يمروا من ثلاث مراحل كبرى وهي: التحلية والتخلية واللقاء. وتتطلب كل مرحلة نوعا من الصبر والتجلد وبذل المجهود الكبير من أجل نيل رضى الله والاستمتاع باللقاء والكشف الرباني.

ويرى ابن سينا أن السعادة الحقيقية لاتكون لا بالحس ولا بالبرهان، بل تكون بالتحلل من إيثار الجسد والاتصال بالعالم القدسي النوراني، والسبيل في ذلك هو القلب والروح وتطهير النفس الناطقة، وفي هذا يقول ابن سينا:" وأما إذا انفصلنا عن البدن، وكانت النفس منا قد تنبهت، وهي في البدن، لكمالها الذي هو معشوقها، ولم تحصله وهي بالطبع نازعة إليه، إذ عقلت بالفعل أنه موجود، إلا أن اشتغالها بالبدن، كما قلنا، قد أنساها ذاتها ومعشوقها". ويصرح السهروردي بأن السعادة الصوفية لن تكون إلا بالجذبة والاقتداء بقطب المشيخة وتزكية النفس والاقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) والأخذ بتجربة الشيخ العارف قصد الوصول إلى مرتبة الكشف والتجلي واللقاء بالذات الربانية المعشوقة.

أما أرسطو أحد أعظم فلاسفة اليونان، وهو تلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر، فقد لخص رؤيته للسعادة في قولهإنها تكمن في العمل، وإن أحسن حياة هي حياة الفكر، ذلك أن الفكر في رأيه هو الدليل على ما انفرد به الإنسان من تفوّق وامتياز، وأن العمل الخليق بالإنسان هو أن تعمل نفسُهُ بالاتفاق مع عقله. وأسعد الناس حظاً هو الذي يجمع بين قدر من الرخاء وقدر من العلم، أو البحث أو التفكير، والذين يرغبون في اللذة المستقلة يجب أن يطلبوها في الفلسفة لأن غيرها من اللذات يحتاج إلى معونة الإنسان.

ويقول أرسطو محاولاً إيضاح فلسفته هنا: لنفرض أن شخصاً يريد أن يتعلم رمي السهام فماذا عليه أن يفعل لتحقيق ذلك؟، تتمثل الخطوة الأولى في ثبيت مرمى ليكون هدفًا، أما الخطوة الثانية فتتمثل في وقوفه في موضع أمام الهدف يسمح له بالتصويب. وهو يقصد أن كل شخص فيما يتعلق بحياته كالرامي أمام المرمى لكنه يرمي إلى ما يراه خيراً له، غير أن هذا الخير لا يمكن إصابته إذا جهلنا الطرق التي تسمح بالوصول إليه، ومن هنا تتحد غاية الأخلاق فهي لا تعدو كونها إنارة لنا فيما يتعلق بما نريده. وكل الناس، كما يرى أرسطو، متفقون أن الخير هو السعادة. ويكمل أرسطو: بعض الناس يرى أن السعادة هي في الحياة الحيوانية، وذلك هو رأي العبيد ولا يجب أن نُعيره أيّ اهتمام .

ويقول: هؤلاء العامة من بني البشر الذين عندما وصلوا إلى القوة والتعظيم، استعبدتهم الشهوات، كما استعبدت الشهوات سردنبال (شخصية إغريقية يضرب بها المثل في الفجور). ويضيف أرسطو قائلاً: بعض الناس يرى السعادة في الثراء غير أنهم مخطئون، لأن الثراء لا يُطْلب لذاته وإنما لما يحققه، وبعض الناس يرى السعادة في المجد لكن المجد ليس رهن إرادتنا، ومع ذلك فإن هؤلاء الذين نالوا المجد هم أحياناً بؤساء. كم من المشاهير يشعرون بآلام مما لا طاقة لهم بها .

وبعض الناس يرى أن السعادة هي اللذة، وأقول لهم إن الإنسان يرغب في العلم مع اللذة أكثر مما يرغب في اللذة وحدها، إذ إن اللذة ليست هي الخير الوحيد. ثم يقول أخيرًا: لا شك في أن السعادة تستلزم نوعاً من النشاط، إذ لا يمكن أن يكون الإنسان في سبات ويكون سعيداً، ليستنتج من كل ما سبق السؤال الآتي: هل للإنسان بصفته إنساناً وظيفة خاصة به؟ إذا كان للإنسان وظيفة خاصة به فإنه تبعاً لطريقة تأديتها يكون محسناً أو مسيئاً ويحقق أو لا يحقق جوهره الذاتي. إن الحياة عند كل إنسان تتمثل في صورتين: حياة نباتية وحيوانية، وحياة عقلية. أما الأولى، فهي الأكل والشرب وكل مستلزمات بقاء الإنسان على قيد الحياة والمحافظة على نوعه. أما الثانية، فكما يصورها أرسطو هي حياة التأمل أو الحياة الذهنية، وهي التي تجعل الإنسان مختلفاً عن بقية الكائنات، وبالتالي فإن أرسطو يدعونا إلى أن نحيا حياة العقل والعمل لأن بها وحدها تنهض الأمم.

مما سبق نجد أن الفلاسفة المسلمين واليونانيين القدماء قد أجمعوا على أن السعادة الحقيقية تكمن في الإيمان وإعمال العقل والعمل البناء من أجل إكمال إشباع الملذات الحياتية، فهذه هي الطريقة المثلى للنهضة بالأمم والوصول إلى السعادة والمدينة الفاضلة، وهو ما يميز الإنسان العاقل عن الإنسان الذي لا هم له إلا أن يكون كالحيوان الباحث عن إشباع ملذاته الحياتية، دون إدراك للروحانيات كما أوردها بجلاء شيوخ الصوفية، ولا لقيم الحياة الإنسانية التي عمادها التفكير والعمل والإنتاج.

استدعيت كل هذا، وأنا أشاهد كم يراد لنا عبر المنتج الإعلامي الذي يتم تسويقه، أن نصبح عبيدًا لكل القيم الدنيئة التي لا تتناسب وقيم العمل والإنتاج والإيمان بالله والروحانيات، والإبتعاد عن إدراك حقيقتنا كإنسان خلقه الله ليتعبد ويتقرب منه روحانيًا ودنيويًا بالتفكير والعمل والإنتاج، وإعلاء قيم التفاؤل ونشر الأمل والقيم الإيجابية، بحيث نكون في النهاية كائنات ذاتية ملذاتية عبيدة للحاجات الجديدة التي يخلقوها لنا. توقفت أمام كل ما سبق، وأنا أقارن كيف صار حالنا؟، وكيف أصبحنا نتصارع على الماديات والإحتياجات بإعتبارها هي السعادة الحقيقية ومعاملات الأمان الحقيقية لعلاقة أفراد المجتمع بدولتهم؟، وكيف يبعدوننا عن قيم البناء والعمل في أجواء مؤمنة متفاءلة بقدر الله من أجل صناعة دولة يكون فيها المستقبل أفضل حتى لو لم تتحقق المدينة الفاضلة بالكامل؟. كيف يصدرون لنا كل أنواع التشاؤم واليأس والإحباط والسعي المحموم خلف الماديات؟.

وهنا، أدعوكم لتذكر التدافع أمام المجمعات التجارية الكبرى في يوم الجمعة الأسود للحصول على تخفيضات أكثرها وهمي، أو للتصارع الأشهر للحصول على أحدث الهواتف المحمولة بأسعار فلكية في ظل مجتمع يشكو من إرتفاع الأسعار وإختفاء سلع أساسية لتأزيمه وتفجيره. تذكروا كل ذلك، وقارنوه بكل ما يتم حولنا من مجهودات لإنشاء بنية أساسية حديثة وفقًا لأدق وأعلى المعدلات العالمية، قارنوه بكل هذه المشروعات التي يتم إفتتاحها كل يوم، قارنوه بحجم العمل الذي يتم في كل مناحي الحياة وعلى كافة الأصعدة، قارنوه بكل هذا العمل على ضرب الفساد ومكافحته والجهد المبذول من هيئة الرقابة الإدارية في هذا الصدد، قارنوه بكل هذا الشموخ والتحدي والقوة في التصدي لإرهاب لو تعرضت له دولة عظمى لأنهارت، قارنوه بدول محيطة بكم لتدركوا أين يريدون أن يصلوا بكم، قارنوه بدولة تمكنت أن تملك قرارها وإرادتها الوطنية في إدارة علاقاتها الخارجية وتبني ما يتناسب من سياسات وقرارات مع ثوابتها الوطنية والقومية.

راجعوا كل ذلك، وإملأوا قلوبكم بالإيمان وعقولكم بالتفاؤل والأمل في غد أفضل، اعملوا وأنتجوا لكي تحققوا المدينة الفاضلة التي تحلمون بها، لا تستجيبوا لدعاة اليأس والإحباط، وتأكدوا أنكم من يملك صناعة سعادتكم وفقًا لمعاييركم وثقافتكم، وأنه لا ينبغي عليكم أن تلتفتوا لمعايير للسعادة المادية الدنيوية والملذاتية لا يبغي من يصدرها لكم إلا أن يزيدكم تشاؤمًا، إصنعوا سعادتكم عبر التمسك بقيمكم الروحية وحسن تربية الأجيال القادمة على القيم والأخلاق والفضيلة التي تفرضها كل الكتب السماوية، إعملوا وتفاءلوا فالقادم أفضل طالما هو ثمرة صناعتكم لا ثمرة ما يصدرونه لكم.