لطالما تفاخرت جماعة الإخوان بأنها عصية على الانشقاقات الداخلية، وتمسكت بميكانيزم ثابت فى مواجهة المنتقدين لها من الداخل، "يبدأ بالتطنيش ثم التهميش ثم التطفيش"، وهو الأسلوب الذي عرفه بتلك الطريقة أحد رجال الجماعة بالفيوم عندما كشف تلك الطريقة بهذا الجناس اللفظي الطريف.

لكن الجماعة التى تحب أن تطلق على نفسها وصف الجماعة الربانية، ويعتقد أتباعها أنهم صحابة رسول الله وحملة لواءه من بعده كما وصفهم حسن البنا، خرجوا من حالة الوقار المصطنع والورع المفتعل، وغادروا دائرة الحديث عن شرعية مرسي المعزول إلى الحديث عن شرعية تمثيل الجماعة، التي يتنازع على إدراتها فريقان يتصور البعض أنهم الصقور في مواجهة الحمائم أو دعاة التسوية مع الدولة في مواجهة دعاة الصراع المسلح، لكن الأمر على غير ذلك فلم يعد في الجماعة إصلاحيين منذ وصلت إلى الحكم، وأقصت كل الإصلاحيين وفق المعادلة السابقة، بل أصبحنا أمام سيطرة كاملة للفريق القطبي الذي أدار الجماعة منذ مطلع السبعينات وحتى اليوم، قبل أن ينشق هذا الفريق القطبي إلى فريقين أسميهما الصقور، وأفراخ الصقور.

فبينما تحلى الصقور العجائز بخبرة القنص واختيار اللحظة المناسبة للانقضاض على الفرائس، وهو ما بدا فd وصولهم للحكم، تحلى الشباب بنزق وقلة خبرة صورت لهم أن يشتبكوا مع فرائس قادرة على التهامهم بسهولة، ظل ما تبقى من شباب الجماعة يسمعون ويطيعون لتلك القيادة القطبية القديمة حتى أوصلتهم للحكم، ثم أخرجتهم منه بعد عام واحد وسلسلة من الخطايا، أو قل الجرائم التي أدمت وجه الوطن، تركوا لهم الحكم فأساءوا وتركوا لهم شكل المعارضة عبر عام ونصف بعد 30 يونيو، فلم ينجزوا شيئًا مما تحدثوا عنه مما سموه كسر الإنقلاب، فقرر فريق الشباب كسر الانقلاب المزعوم على مرسى بإنقلاب على سلطة التيار التلقليدي، الذي رضخ لمطالب الشباب بتشكيل لجنة لإدارة الأزمة تضم شباب أقرب للميدان في مصر من المختفين في الغرف المكيفة في لندن وإسطنبول، لكن التيار التقليدي وضع أحد رجاله، وهو محمد عبدالرحمن مشرفًا على تلك اللجنة، التي تبين لهم أنها تدير وتقنن عنف مضاد في مواجهة السلطة السياسية، يتجاوز السلمية التي هي أقوى من الرصاص على حد تعبير بديع، وقد استبدلته بسلمية أقوى بالرصاص.

مارس التيار التقليدي ما استطاع من وسائل في حرمان هؤلاء من التمويل والتنبيه إلى خطر مسلكهم على وجود الجماعة، وانجرارها إلى عنف شامل يكتب لها مصير كيانات أخرى جربت هذا المسلك مع الدولة المصرية فاندحرت واختفت.

خرج الخلاف بين الفريقين للعلن في مارس 2015، عندما أقدم جناح عزت على الحديث عن اجتماع لمجلس شورى الجماعة، اتخذ قررات بتغيير هيكل تلك اللجنة، وهو ما أجج الصراع بين الفريقين، ليبدأ مسلسل من الإجراءات والاتهامات المتبادلة من عزل شخص وتنصيب آخر والتي تضمنت اتهامات بإختلاسات مالية تعلقت بأموال فى الخارج، وابتزاز مالي تعرض لها فريق كمال من فريق عزت بهدف تطويعه، وغيرها من الإتهامات التي فصلتها مسودة وزعت على أعضاء الجماعة فى الأول من نوفمبر 2016 ،تحدثت عن هيكل جديد للجماعة ولائحة جديدة وفصل بين مكتب الإرشاد ومجلس الشورى الذى عين له رئيس ووكلاء وأمين والحديث عن تربية الأفراد على الإيجابية، والنقد البناء والأخذ بالشورى واحترام الرأى الأخر ،والإنفتاح على المجتمع وغيرها من السلوكيات الغائبة فى ممارسات التنظيم والتي دفعت العديد من أعضائه للخروج منه.

ما شكا منه المنشقون عن الجماعة يشكو منه الآن فريق من المحسوبين على الجيل الجديد من القطبيين وهلما جرا.

يبدو الفريقان المتنازعان على قيادة الجماعة متمسكون بالسلطة التي تحدثوا عنها باعتبارها مغرم وليست مغنم، وبالرغم من ذلك اشتد وطيس المعركة بينهما ولجأ فريق لعزل الأخر، واعلان نفسه ممثلًا للجماعة ممتلكًا للشرعية، التي لها معانى كثيرة لكن لدى الإخوان ليس لها سوى معنى واحدK وهو التمسك بالسلطة حتى الموت، وهو ما يدخل الجماعة فى تيه خلاف فاق خلاف بنى إسرائيل لأربعين عامًا، حيث تعيش الجماعة في تيه الخلاف الداخلى منذ أكثر من ستة عقود منذ اغتيال حسن البنا، وهو مايدعونا للإعتقاد بانها استكملت دورة حياتها ولم تعد قابلة للحياة، وإن تمسك بعض أبنائها بأصباغ الزينة كتعديل اللوائح أو تغيير الهياكل لجسد ميت إكرامه الحقيقى فى سرعة دفنه .