التسامح هو السمة الأهم التى تميز المجتمع المصرى منذ عقود، ولذلك كل من يريد أن يستهدف المصريين يحاول جرهم إلى الطائفية والتحزب الدينى، تارة باستهداف الشيعة وأخرى باستهداف المسيحيين، فضرب مبدأ التسامح في الثقافة المصرية يعد بمثابة هدم لأهم ركائز الدولة، فتسامح الشخصية المصرية هو العامل الرئيسي لتماسك المجتمع المصرى.

وعلى العكس من كثير من دول الجوار فإن تاريخ مصر مليئ بالتنوع بين حقب قبطية ورومانية وإسلامية سنية وأخرى شيعية، إذ ظلت مصر بوتقة كبيرة تنصهر فيها هذه الحضارات المختلفة تهضمها مصر فى شخصيتها، وتسعد دائما بإستقبال الوافدين على اختلافهم، ولم يذكر التاريخ حربا طائفية واحدة تورط فيها الشعب المصرى، رغم أنه مر على تاريخ مصر فقد حكام طغاة عدة ظلموا فئات من الشعب وأصدروا من القوانين والقرارات المتعسفة ضد بعض فئات الشعب ما يحاولون به تبرير طغيانهم، ولو كانت فى مصر تربة قابلة للتحزب والطائفية لأشتعلت على أثر هذه القرارات.

هذا التسامح هو الذى جعل مصر قبلة للمهاجرين والطامحين إلى النمو والإزدهار، فإستقبلت مهاجرين من كل دول المنطقة بلا إستثناء، ليس فقط فى ظل الأزمات ولكن في وقت الرخاء أيضا، وكانت مصر مقصدًا مهمًا للمهاجرين من أوروبا، والذين أصبحوا جزءًا هامًا من الطبقة المتوسطة في مصر وثقافتها.

تشهد التصميمات المعمارية لبنايات القاهرة الخديوية على تنوع الجاليات التى مرت على مصر بين يونانية وإيطالية وفرنسية وانجليزية وأرمينية بشكل يجعلك تشعر أنك تمضى فى متحف مفتوح لأنساق البناء التى سكنها تلك الجاليات فى مدن مصر المختلفة وخصوصا القاهرة والأسكندرية، كل هذا الجمال والتسامح والقدرة على قبول وفهم الآخر لازالت شواهدها على جانبي الطريق في مناطق عديدة من محافظات مصر، وقد استوعب الشعب المصري بمختلف فئاته هذه الجاليات وتعايش معها قرون طويلة حتى أن العامية المصرية لازالت تحمل بقايا لغاتهم وثقافاتهم بل وعاداتهم الدينية.

كان كل من يصل مصر من الجاليات العربية أو الأوروبية يسعى إلى أن يجد لنفسه مكانًا بين تفاصيل الحياة اليومية للمصريين، وكان المصريين يفسحون له المكان بترحاب يؤثرون فيه ويتأثرون به، فأغلبهم كان يعمل في التجارة وصولا إلى الشركات الكبيرة مثل أصحاب محلات الملابس الشهيرة عدس وريفولي وبنزيون وصيدناوي، وغيرها من أشكال التجارة.

إلا أن السنوات القليلة الماضية قد شهدت محاولات عدة من جانب البعض لإخفاء هذا القدر من التنوع والتسامح وتقبل الآخر، والاستفادة من خبراته، أن درجات التسامح للأسف بدأت فى التلاشى بين فئات المجتمع المصرى بشكل غير مسبوق، ولا شك أن فكرة تهديد مبدأ تسامح الشخصية المصرية ومحاولات هدمه بالغ الأهمية، والتساؤل الذي يجب أن نتوقف أمامه اليوم بالدراسة والتحليل الأن هو، كيف يمكن أن نبنى وطننا ما لم نقبل الإختلاف والتنوع بين سكان الريف وبين المدينة، بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة والغنية، وبين جيل الأباء والأبناء، وبين الرجال والنساء، وبين أبناء الديانات المختلفة، كيف يمكن أن نبني وطن حديث دون إستعادة ثقافة التسامح والتصالح مع النفس وقبول العصر الحديث بأدواته وإمكانياته ومحاولة تطويعها والاستفادة منها، بل محاولة الاستفادة من كل أطياف المجتمع المصري.

ولا شك بأن لو لم يكن المجتمع المصرى متسامحًا ما استطاع تقبل كل المختلفين عنه، ولم يكن ليتعاون معهم لتسهيل حياته وحياتهم، ففى لحظة تاريخية ليست بعيدة كانت معدلات التنمية فى مصر الأعلى على مستوى العالم، وفرص العمل تتولد سنويًا بشكل تلقائي مع رؤوس الأموال المتدفقة، وتكفي هذه الفرص المصريين والمهاجرين وتستقطب المزيد دون أزمة.

كانت مصر تستفيد من المختلف الذى يأتي إليها، ينمي مهاراته، ويسعى لتقديم نفسه للمجتمع من خلال تقديم خدمات أو تجارة تزدهر في مجتمع ينمو ويتطور، وتعلمه أيضا وتضيف إلى خبراته.

إن مبدأ التسامح كان سر نجاح وجاذبية مصر، ومن ثم يجب علينا اليوم العمل لإستعادة قيمة التسامح من جديد.