غيّرت التكنولوجيا العالم! فحتى هذا الجزء من العالم لم يفلت من براثن التكنولوجيا. قد نبدو للقادمين من "العالم المتقدم" متأخرين، ولكننا رغم تأخرنا لحقنا بالركب. وأصبح بإمكاننا استخدام أدوات العالم المتقدم. نحمل في أيدينا هواتفنا "الذكية" ونستخدم شبكات التواصل الاجتماعي لمتابعة الأصدقاء والأخبار وإقامة المشاريع وإحياء العادات القديمة.

خاطبة الفيس بوك ليست كالخاطبة التقليدية، فهي لا تتقاضى أجرًا على عملها. فالمجموعة "تسهل الزواج" لوجه الله.

لا تقتصر مجموعات "فيس بوك" على النقاشات وتبادل الأفكار. بعض المجموعات تتبادل الأفكار وأخرى تتبادل البضائع وأخيرة تتبادل العرائس والعرسان.

فقد وجدت "الخاطبة" في "فيس بوك" سبيلًا. واتخذت منه مسرحًا لعملية "توفيق رأسين في الحلال".

خاطبة الفيس بوك ليست كالخاطبة التقليدية، فهي لا تتقاضى أجرًا على عملها. فالمجموعة "تسهل الزواج" لوجه الله.

مراقبة تلك المجموعات مسلي وملهم في ذات الوقت. ورغم أنه لا يمكن بالاعتداد إحصائيًا بأعضاء هذه المجموعات كممثلين عن المجتمع المصري ككل، إلا إنه يمكن القول بأن هذه المجموعات تمثل الطبقة المتوسطة المصرية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

قواعد تلك المجموعات واضحة. العضوية للنساء فقط ولا يوجد تواصل مباشر ما بين "العريس المحتمل" و"العروس المحتملة". يقضي النظام بأن تطرح العضوة الباحثة عن عريس أو عروس مواصفات طرفها الباحث و"شروطه" في شريكه المحتمل.

في المعتاد لا تشترط العرائس الباحثات عن عريس الكثير في شريك العمر. تدور طلبات العرائس حول محورين. المحور الأول وصفها بأنها على خلق وذات حسب ونسب ومال والمحور الثاني أنها لا تطلب إلا رجلًا على خلق. تختلف أعمار الباحثات عن زوج، من سن التاسعة عشر وحتى الخامسة والأربعين. كلهن بلا استثناء يذكر وصفن أنفسهن (أو تم وصفهن) على طريقة ذات دين وجمال وحسب ومال ترغب في من ترضى دينه وخلقه. أما الرجال فكانت طلباتهم أكثر تحديدًا!

يعرف الرجال أنفسهم (أو يتم تعريفهم) بالعمل والمال أولًا. فالعريس مثلًا مهندس يعمل بكذا ولديه منزل بكذا ويمتلك سيارة نوعها كذا.. إلخ من تعريف الماديات. وبعد الماديات يأتي التعريف الشكلي وفي الأخير تأتي الأخلاق. وهو دائمًا على خلق.

يبحث العريس دائمًا عن عروس بيضاء البشرة، "حلوة" الملامح، ذات قوام "ملفوف". يذهب بعضهم لما هو أبعد من ذلك فيحدد الوزن والطول. بعضهم يحدد لون العيون أو لون الشعر. يُسهب الرجال في ذكر الشروط الشكلية في العروس. وتأتي بعد الشروط الشكلية الشروط المادية. وفي الأخير يأتي ذكر الأخلاق.

نادرًا ما يبحث أي من الرجال عن عروس تقربه في السن. فالعروس البيضاء ذات القوام الملفوف والعيون الكحيلة والشعر الناعم يجب أن تصغر العريس بخمس سنوات على الأقل.

اللافت في تلك المجموعات ليس عودة نشاط الخاطبة. فنشاط الخاطبة أخذ أشكال مختلفة في أنحاء العالم وتطور واستغل التكنولوجيا. صحيح أن الخاطبة في بلاد تركب المكوك الفضائي ليست خاطبة بالمعنى المفهوم، بل هي مجرد موقع يقدم خدمة التوفيق من أجل المواعدة. إلا إننا يمكننا تجاوز تلك النقطة ونسلم بأن هذا الجزء من العالم لا يعرف المكوك الفضائي وما زال بعض سكانه يستخدمون الحمير في جر العربات في الطرقات، فمن البديهي جدًا أن تستمر الخاطبة التقليدية رغم استخدامها للتكنولوجيا الحديثة للقيام بدورها التقليدي.

اللافت في تلك المجموعات هو الصلف الذكوري في الاختيار. والخنوع الأنثوي في العرض. فهناك من تقبل بالتعدد، وهناك من على استعداد أن تترك عملها. وهناك صاحبة الوظيفة والمال الهاربة من شبح الوحدة لنار زوج يكبرها بعشرون عامًا على الأقل.

كلهن لديهن مبررات مفهومة للمرونة. فالصلف الذكوري في الاختيار يزيد من حدة المنافسة. فإن فكرتِ أيهن أن تخرج عن تعريف "ذات دين وجمال وحسب ومال تطلب زوجًا"، لخرجت من المنافسة فورًا.

الغير مبرر وغير مفهوم هو الصلف الذكوري في الاختيار. لماذا يتمسك الذكور بشرط السن. ولماذا يجب أن تكون العروس بيضاء البشرة. ولماذا يأتي الجمال قبل الأخلاق؟ ولماذا لا يهتم صدقًا بالمؤهلات العلمية للعروس؟

لماذا يبحث الرجل عن "عروسة حلاوة" رغم أنه يُفترض به أن يبحث عن شريكة حياة؟!