في مشهدٍ كلاسيكي يجلس شابٌ وفتاة في منتصف العمر ليتجاذبا أطراف الحديث و"رشْفات العصير". لقاء تعارف كلاسيكي يحتوي على الكثير من الأسئلة الكلاسيكية عن العمل والدراسة والأسرة والتوجهات السياسية أحيانًا. ومن ضمن تلك الأسئلة الكلاسيكية سؤال يوجهه الشاب للفتاة عن "تاريخها" العاطفي وسؤال أكثر مباشرة عن "عدم زواجها حتى تلك اللحظة".

مشكلة بعض الأسئلة المباشرة، أن مباشرتها تستعدي الإجابات المنقوصة. فالفتاة في هذه الجلسة أمامها خياران لإجابة سؤال هذا "الغريب". إما أن "تحكي" له تاريخها مع العلاقات والعواطف حتى وصلت إلى لقائهما بلا زواج أو أن تجيبه بالإجابة النموذجية التي أوصاها بها كل من يعرفها من أهل وأصدقاء أو حتى مواقع على شكبة الإنترنت. الإجابة النموذجية لأسئلة الشاب الكلاسيكية "الذكية" هي إنكار التاريخ العاطفي ما لم يكن موثقًا بارتباط رسمي و"ما حصلش نصيب" تكفي كإجابة منطقية لعدم الزواج.

تضمن هذه الإجابة النموذجية فرصة لقاء آخر للفتاة مع الشاب صاحب السؤال. وفي أحيان كثيرة قد تضمن لها فستان أبيض وحفل زفاف وبيت وأسرة و"نهاية سعيدة".

فالرجال، سواء في هذا الجزء من العالم أو غيره، أو على الأقل الكثير منهم يفضلون امرأة بلا تاريخ واضح. فحتى وإن قبِل الرجل ضمنًا أن يكون لامرأته تاريخ فلن يتحمل معرفة تفاصيله. تصبح تفاصيل التاريخ لعنة تطارد العلاقة حتى تنتهي في الأغلب وتصبح جزءا جديدا من تاريخ المرأة الذي يجب أن يختفي وجزءا من تاريخ الرجل الذي يمكنه التباهي به.

الفكرة في الإجابة النموذجية التي ستزيد من فرص الفتاة في "النهاية السعيدة" أنها إجابة كاذبة. فالكذب هو طمس الحقيقة، وفي حالتنا هذه تُطمس الحقيقة بالحذف. تحذف الفتاة التفاصيل التي قد تتسبب في المشكلات.

قد يرى البعض في نُبل الغاية سببًا كافيًا لتبرير "الكذب". لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا هو، هل "النهاية السعيدة" هدف نبيل؟ والأهم، هل هذه النهاية ،"نهاية سعيدة" بالفعل؟ وهل علاقة قائمة على "الحذف" والطمس علاقة "ناجحة"؟

إخفاء التفاصيل في هذه الحالة هو الحل الأمثل، لإنه في إخفائها تحرر من أسر الماضي بتجاربه السيئة.

الأسئلة السابقة قد تبدو استنكارية ولكنّها في الحقيقة أسئلة تتغير إجابتها بتغير الموقف. فالنهاية السعيدة، أو الزواج، في نظر الكثيرين والكثيرات هدف نبيل. هم يريدون الزواج ولديهم أسبابهم المنطقية لوضع هدف الزواج على قائمة الأولويات. والغاية تُبرر الوسيلة! في حالتهم الغاية هي الزواج والوسيلة هي إخفاء التفاصيل. وحجتهم أن التفاصيل ماضٍ، ولا نفع للماضي في الحاضر أو المستقبل.

إخفاء التفاصيل في هذه الحالة هو الحل الأمثل، لإنه في إخفائها تحرر من أسر الماضي بتجاربه السيئة. وبإخفائها تطوى صفحة وتبدأ صفحة جديدة للحياة الجديدة والفرصة الجديدة. وهذه نهاية سعيدة بالفعل! شاب وفتاة لا يهمهما من إلتقيا قبل أن يلتقيا، المهم أنهما إلتقيا وحياتهما تبدأ من هذه اللحظة وتستمر إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

لكن ماذا لو كانت "النهاية السعيدة" المتوقعة تحتوى سطرًا عن أمان المشاركة؟ ماذا لو كانت السعادة تكمن في التفاصيل؟ ماذا لو كان الماضي جزء من تكوين الشخصية؟ ماذا لو كانت الخبرات السابقة محددة لتصرفاتنا المستقبلية؟ ماذا لو تسبب الحذف والطمس في أن يغلب ظن عدم معرفتك بالشريك على ظن معرفتك به؟!

وهنا يأتي الخيار الثالث، والأكثر حكمة، لإجابة سؤال التاريخ العاطفي، وهو اتباع سياسة عدم الإفصاح إلا للضرورة القصوى. سيضمن لك هذا الخيار الحد الأدنى من أمان المشاركة تبعًا لشكل ومسار العلاقة. كما سيضمن لك عدم إثارة حفيظة الشريك بتفاصيل لا تهم في الحاضر أو المستقبل. سيوفر الحد الأدنى من الصدق كما سيوفر الحد الأدنى من الكذب. سيضمن الحد الأدنى من الثقة كما سيضمن الحد الأدنى من الشك.

سيضمن خيار عدم الإفصاح إلا للضرورة القصوى الحد الأدنى من العلاقة السعيدة الناجحة. في حين تضمن الصراحة الحد الأقصى من كل شيء، كما أنها تخاطر بالحد الأقصى من كل شيء.. فليست كل الصراحة راحة!