ما إجتمعت مجموعة من النساء إلا، في الأغلب، ما كانت الشكوى محور الحوار. والشكوى بالشكوى يذكر الزواج. فالحديث عن الزواج كالحديث عن الطقس، موضوع آمن لملئ فراغات الصمت في لقاءات الأصدقاء أو شبه الأصدقاء. تشكو إحداهن من زوجها ، أو تشكو الأخرى من حماه. تشكو إحداهن من ضغوط أهلها من أجل أن تتزوج، وتشكو أخيرة من بحثها عن زوج بلا طائل.
وفيما يتفق الجميع في الرؤية حول حالة الطقس وكيف إختلف عن "أيام زمان"، إلا أنهن يختلفن حول الزواج وينقسمن فرق تدافع عن مواقفها دفاعًا مستميتًا.


الفرقة الأولى، "العوانس". والمقصود بهن الباحثات عن زوج بلا طائل. يضغط الجميع عليهن من أجل الزواج. يضغط الأهل ويضغط المجتمع وتضغط الساعة البيولوجية ولا يجدن طريقًا للتعامل مع كل هذه الضغوط. يبحثن عن حب مستقر، وزواج يوفر الأمان والإنتماء والقليل من الجنس والأبناء.
مشاعرهن مشروعة جدًا ولكنها لا تجد من يُلبيها. تتحول مشاعرهن لعبء والعبء لشكوى تتكرر بتكرر لقاءات الأصدقاء وشبه الأصدقاء.

على نقيض فرقة "العوانس" تأتي الفرقة الثانية "المدامات". يتكون فريق "المدامات" من النساء في زواج "مستقر". يشكون في العادة من "حياتهن المسروقة". لا يتحدثن أبدًا عن زواجهن. يتحدثن فقط عن الفرص الضائعة خارج هذا الزواج .
تشكل "المحاربات" الفرقة الأخيرة في المشهد، وهي الفرقة الأكثر تنوعًا. تضم المحاربات بعض الفتايات الائي لم يتزوجن، وبعض المتزوجات في زيجات غير مستقرة، والمطلقات وأحيانًا الأرامل. تجمع "المحاربات" صفة مشتركة رغم تنوع الحالات الإجتماعية والمشاعر وهي "محاربة الظروف".

ترى الفرقة الموصومة بالعنوسة أن "الزوج المناسب" هو الحل. فالزواج سينقذ هذه الفتاة من ساعتها البيولوجية التي لا تتوقف عن "التكتكة"، كما سينقذها من ضغوط الأهل والمجتمع . تعلم هذه الفتاة أن الزواج ليس "راحة" ولكنها تبحث عنه لإن لديها أسباب مقنعة ومشاعر مشروعة.
في حين تهاجم فرقة "المدامات" فرقة العوانس بضراوة. ترى المدامات أن العوانس لا يقدرن نعمة "الحرية". وفرص "الحيوات" التي يهدرنها. يهاجم فريق المدامات مشروعية مشاعر فريق العوانس ويقلل من أهميتها. فلا مشاعر أهم لديهن من مشاعر "الحياة السروقة".

أما فريق المحاربات فيهاجم كلا الفريقين السابقين. يلومن على "العوانس" تضخيم حجم مشاعرهن. فكلنا لدينا ساعات بيولوجية "تتكتك" ولكنها لا يجب أن تتحكم في حياتنا. كما يهاجمن فريق المدامات لإنهن يظنن أن لديهن خلاصة الحكمة، في حين أنهن لم يمرن بإختبارات حقيقية.
تظن المحاربات أيضًا أنهن مثل نظيراتهن في الفرق الأخرى صاحبات المشاعر الأهم والأكثر إلحاحًا. وأن رؤيتهن للزواج والحب هي الصواب.
في حين أن الثلاث فرق على صواب كما أن الثلاث فرق على خطأ. فكلهن أسرى "المنظور".

فالزواج كالكوب النصف المملوء. ينظر فريق العوانس للنصف المملوء ويتجاهلن النصف الفارغ. وينظر فريق المدامات للنصف الفارغ ويتناسين نصفهن المملوء. وتنظر المحاربات بتشكك للكوب ككل. فصحيح أن الكوب نصفه مملوء لكنه ربما يكون مملوءً بالسم!

عزيزتي العانس والمدام والمحاربة، في المرة القادمة قبل أن تنخرطن في الدفاع عن "مشاعركن" تجاه هجوم الغير تذكرن أن الكوب نصفه فارغ ونصفه مملوء وأنه، في الكثير من الأحيان، مملوء بالسم. وأن إلحاح مشاعركن لا يعني أنه لا يوجد مشروعية لمشاعر غيركن.

تذكرن أن الدنيا دوارة .. وقليل من التفهم، أو حتى إدعاءه لن يُضير.