تمر البلاد، كما نعلم، بظروف عصيبة. قد يظن البعض أن الظروف العصيبة بدأت مع أحداث يناير 2011. لكن ممكن، بقليل من المخاطرة، القول بأن بداية هذه الظروف العصيبة كان عصر "الانفتاح". 

حاول الرئيس السادات تحرير الاقتصاد وانتهت المحاولة بقليل جدًا من التحرير الاقتصادي والكثير جدًا من التحرك الطبقي. واستمر هذا التحرك، أو التقلب، طوال عقود حكم الرئيس مبارك. وكان أن ازدهرت فكرة العمل بالخليج. وما استتبعها ليس فقط من تراكم ثروات لدى فئات مختلفة من المجتمع بل أيضًا تراكم "ثقافة" مختلفة.

ولأن من طبع الإنسان "التطلع" ومن سمات التطلع "التقليد". كان أن انتشرت أنماط من السلوكيات، يراها أي مصري "غير منفتح" دخيلة. في حين هي بالنسبة للمصريين المنفتحين "بديهيات".

تتبع الدكتور جلال أمين في كتابه "ماذا حدث للمصريين" هذه الأنماط وحللها بدقة. أصبح المصري يميل للاستهلاك و"الفشخرة". ساعده الإصلاح الاقتصادي في التسعينات على نقل أنماط الاستهلاك "الخليجي" دون الحاجة للسفر للخليج.

ومع مطلع الألفية أصبح "تغير" المصريين محور خلاف حول ما كان من ثوابت تعريف الوطن والانتماء والسعادة والحرية.

أصبحت "المصرية" مع مطلع الألفية على المحك بعد عهود من الفكر القومي، سواء المصري أو العروبي. أتت "العولمة" لتزيد من أزمة "المصرية" التي تأثرت بالمد الخليجي.

ظهر "المصري" العالمي، الذي لا يؤمن بأرض، ظهر "المصري" الغربي الذي يضع مصر وفرنسا مثلًا في جملة مقارنة دون أن يرمش له جفن. كما ظهر "المصري" الإسلامي، الذي لا يؤمن بوطن غير الدين. وفي قلب الصراع على الهوية تأتي قضية الحجاب.

والحجاب ساحة عراك قديمة ومفضلة، صراع على الهوية، وصراع من أجل "الحداثة، وصراع من أجل "نشر الفضيلة". بدأت المعركة بهدى شعراوي التي تخلّصت من قيد رجعية الدولة العثمانية وخلعت الحجاب مؤكدة في وقتها على ميلاد "المصرية الحديثة". استمرت موجة المصرية الحديثة مع مشروع ثورة يوليو 1952 لتقليب الطبقات. حتى كان ما كان بعد معاهدة السلام والانفتاح وتراكم ثروات الخليج العربي وعاد الحجاب ليتسلل ويصبح واقعًا جديدًا يعيد أسئلة الهوية والحداثة والفضيلة.

لكن هل الحجاب دخيل على مصر؟ الإجابة لا!

وقبل أن تتهمني عزيزي القارئ الكاره للحجاب بأنني محجبة أخرى تدافع عن الحجاب دعني أولُا أعرف الحجاب "المصري". الحجاب المصري يمكن تتبعه في صوره القديمة لمصر وسكانها. ستجد أن الفلاحات يرتدين الجلباب ويغطين رؤوسهن غطاء خفيفا. يمكن أيضًا تتبع "الملاية اللف" وغيرها من طرق الاحتشام. لكن ارتبطت هذه الأشكال من الأزياء بطبقات معينة. وإرتبط نمط الأزياء الأوروبي بالطبقات الراقية.

إذن الفكرة ليست دخيلة، ولكن انتشارها في الطبقات المفترض فيها الانتماء "للحداثة" هو ما يُثير الاستفهام.

ويمكن القول إن "الحجاب الحداثي" انتشر لأسباب منطقية. فمع التحرك الطبقي والتطلع لنمط الحياة الخليجي وموضة الدعاة الجدد الذين يتبعهم نجوم المجتمع. أصبح من البديهي أن يصبح الحجاب موضة. لا تعكس إيمانا بأي أفكار بقدر ما تعكس رغبة في الانتماء لمجموعة.

والنظر للحجاب "كموضة" ينزع عنه فكرة تمثيله لأزمة الهوية رغم كونه عرض من أعراضها عند البعض. كما ينزع عنه فكرة تمثيله للرجعية، لأنه مجرد "طريقة لارتداء الملابس".

ويمكننا من النظر له في ضوء معطيات ما بعد يناير 2011. فبعد يناير أصبحت "الموضة" هي خلع الحجاب. وواكب هذه الموضة، موضة السخرية من حجاب المحجبات اللائي لا يلتزمن بمعايير "الحجاب الشرعي".

أصبحت قضية الحجاب، قضية أخرى من قضايا "حق تقرير المصير". جاءت يناير بشعارات ومطالب عدة إلا مطلب واحد هو لسان حال الكثيرين في "جيلي" وأجيال أخرى، "عايزين نعيش".

لسبب ما الحياة في هذا الجزء من العالم ليست قرار شخصي، يجب على قرارك أن يحظى برضاء الكثيرين قبل أن تتمكن من اتخاذه. وحتى بعد اتخاذه سيكون عليك أن تتعامل مع غضب الكثيرين لأسباب لا تعلمها.

حق تقرير المصير، هو حق اتخاذ القرار بحرية دون ضغوط من أي نوع. والحجاب قرار آخر لا يخص أي إنسان إلا صاحبته.

لا تنتظر تحذيرك بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا قررت خلعه. كما لا تنتظر تذكيرك بأن حجابها "غير شرعي". ولا تريد نصيحتك المستمرة "اقلعيه أحسن".
هي حرة !