في كوكب الولايات المتحدة الأمريكية الشقيق تدور رحى معركة حقوقية "لطيفة"، بين مؤيدي "الاختيار" (Pro-choice) ومؤيدي "الحياة" (Pro-Life) . أما الهدف المتنازع عليه فهو حق المرأة في الإجهاض. 

يؤيد فريق "الاختيار" هذا الحق في حين يعارضه فريق "الحياة". المُلفت واللطيف في هذا الصراع الحقوقي ليس الهدف المتنازع عليه، الملفت هو اختيار كل فريق لشعاره. "Pro-Choice" و "Pro-life". كما لو كان الاختيار والحياة يتعارضان.

فالحياة اختيار، من أول قرار الاستمرار فيها وعدم إنهائها وصولًا للقرارات اليومية التي قد لا يلتفت إليها أحد. قرارك مثلًا بأن تتناول القهوة صباحًا بدلًا من الشاي. اختيار يبدو تافهًا وغير مؤثر ولكنه نموذج لكيف يملك الإنسان حياته بالاختيار.

الحياة اختيار!

يُدعم مؤيدو "الاختيار" حق المرأة في الإجهاض بناءً على دعمهم حق المرأة، والإنسان بصورة عامة، في تقرير مصير جسده. جسد الإنسان ملكه يفعل به ما يريد. في حين أن مؤيدي "الحياة"، لا يؤيدون حرية الجسد. وحتى وإن أيدها بعضهم، فهي حرية مقيدة مادام هذا الجسد يحمل جسدًا ليس لديه "اختيار".

ورغم أن هذه المعركة الحقوقية تبعد عنا آلاف الأميال سواء جغرافيًا أو فكريًا، إلا أن معركة الاختيار والحياة واحتمال تضادهما تمثل جوهر الكثير من مشكلاتنا وخاصة فيما يتعلق بعلاقات المرأة والرجل.

عبارات مثل "ربي عيالك"، "اطبخي شيء ينفعك"، "دي عايزة تتجوز".. إلخ من كليشيهات "تكسير المجاديف" تستخدم في المعتاد للتقليل من شأن المرأة والتحقير من آرائها والتشكيك في قدرتها على القيادة والمشاركة في العمل العام.

تصدر مثل هذه العبارات في الأغلب من "ذكر" قلق من احتمال "منافسة". يطمئن "الذكر" القلق نفسه "بتكسير مجاديف" المنافس المحتمل، معتمدًا على ميراث من أفكار ذكورية مازالت تعيش في نفوس البعض.

فالمرأة في مفهوم هذا "الذكر" القلق وميراثه من أفكار تابع مهمش، لا رأي لها ولا عمل إلا كونها "معون" لحمل الأطفال و"متاع" للمساعدة على الحياة. المرأة في مفهومه كائن أدنى منه، خُلق لراحته، كأنعامه ودوابه. ولذلك يستخدم هذا "الذكر" القلق لفظة "امرأة" كسُبة، ويعتبر كل ما تقوم به من وظائف إهانة.

يعلم هذا الذكر جيدًا أن الحياة اختيار، وليحافظ على ميراثه من أفكار متقادمة يحرص على ألا تُمكن أي امرأة في محيطه من "الاختيار" مهما بالغ في "تكسير مجاديفها".

على طرف النقيض من هذا الذكر القلق، توجد امرأة متحفزة. ترفض صورة الكائن الأدنى المخلوق كمعونٍ ومتاع. تعمل بكل ما أوتيت من طاقة من أجل كسر قيود يفرضها هذا الذكر سواء بطريق مباشر أو طريق غير مباشر. تحقق هذه المرأة المتحفزة نجاحًا يومًا بعد يوم. لكنها رغم أنها يُفترض أنها على طرف النقيض من الذكر القلق إلا إنها تتشارك معه الرؤية.

فهي توافق ضمنًا على أن المرأة كائن أدنى مخلوق كمعون ومتاع. فهي ترفض أفكار التفرغ لرعاية الأسرة مثلًا وتقلل من شأنها مثلها في ذلك مثل الذكر القلق.

تنسى في أثناء حربها الضروس من أجل الحرية، كما يتناسى الذكر القلق في حربه الضروس من أجل إحكام السيطرة، أن الأصل في معركة "حقوق المرأة" هو أن الرجل والمرأة كلاهما إنسان، متساويان في الحقوق والواجبات. فحقوق المرأة إذن جزء من حقوق الإنسان وحريتها جزء من حريته.

الهدف من معركة "حقوق المرأة" أن يتحرر الرجل والمرأة من تراث الأفكار البالية والأدوار النمطية الموروثة ليعيشا بما يتوافق زمانهما.

الهدف أن تتمكن المرأة، وكذلك الرجل، من "اختيار" حياتهما.

فإذا "اختارا" أن يلعبا الأدوار النمطية لفترة فهذا لا يعني أنهما تابع ومتبوع. وإذا "اختارا" ألا يلعبا طبقًا للقواعد فهذا لا يعني أن طرف حقق انتصارًا على طرف آخر.

فلا "الطبيخ" للأسرة عمل مهين يستوجب التبرأ منه ولا المسار الوظيفي اللامع ينقذ الإنسانية. كلاهما مجرد "اختيار"..