"الإنجليزية لغة حزينة"، هكذا بادرني صديقي معلقًا على ردود أفعال أصدقائه على ما كان يُفترض أن يكون تدوينة ساخرة عن الوطن ودوافع الهجرة والبقاء. 

كانت فكرة التدوينة محور حوار آخر بيني وبينه. دار الحوار بالعربية وكان ضاحكًا. فلما أثار الحوار بعد تحويله لتدوينة بالإنجليزية شجن أصدقائه أصبحت اللغة هي المتهم.

هناك جدل أزلي حول اللغة والفكر. يقول فريق بأن التفكير منفصل عن اللغة. وأن اللغة ليست أكثر من أداة للتعبير عن الأفكار. فعدم وجود الأداة لا يعني عدم وجود الفكر. فيما يقول فريق آخر إن اللغة وعاء الأفكار، وإن دون اللغة لا يُمكن أن يكون الفكر ومن ثم تحدد اللغة حدود التفكير.

بعيدًا عن الدخول في تفاصيل النسبية اللغوية، أجد أن القائلين بأن اللغة وعاء الأفكار أقرب للحقيقة. فاللغة تحدد شكل الفكر ولا تُعبر عنه فقط. فبتجربة بسيطة، إذا كنت تجيد لغتين إجادة تامة، يمكنك أن تجرب التفكير في أي موضوع باستخدام كل لغة على حدة.

جرب مثلًا أن تكتب عن الوطن بالعربية الفصحى، ثم جرب أن تكتب عنه بالإنجليزية. أو حتى بالعامية المصرية. ستجد أن طريقة تفكيرك وتسلسل الأفكار تختلف من لغة للغة. فإجادة اللغة لا يعني فقط فهم مفرداتها. إجادة اللغة يعني فهم الدلالات خلف المفردات. فحين تفكر بلغة ما، تؤثر ثقافة هذه اللغة في رؤيتك للأشياء.

يختلف التفكير باللغة عن ترجمة الأفكار من لغة إلى أخرى. تلعب الترجمة دور الوسيط في محاولة توصيل المعنى. الفرق بين الترجمة والتفكير باللغة كالفرق بين التصوير الفوتوغرافي والرسم.

جودة الرسم ومدى نقله للحقيقة يرجع لمهارة الرسام وتعريفه للواقع. أما التصوير الفوتوغرافي فينقل لك الواقع كما هو لحظة التصوير.

وكما سقطت تدوينة صديقي في فخ الترجمة، تسقط أفكار أخرى كثيرة في نفس الفخ.

انتقال الأفكار في عالم مفتوح لا يعني انتقال الثقافة المرتبطة بهذا الأفكار. في أوقات كثيرة تنتقل الفكرة ظاهريًا دونما نقل جوهر الفكرة. تترجم المعاني شكلًا لا موضوعًا. فيصبح هناك تناقض واضح بين الإيمان بفكرة ما وتطبيقها.

يمكن تتبع هذا النموذج في أفكار إطلاق الحريات كما يمكن تتبعه في أفكار تقييدها. تأتي الأفكار معلبة ومغلفة في لغة لا يجيدها المجتمع. ويقوم البعض بمحاولات النقل والترجمة.

تفقد الفكرة الكثير من معناها في أثناء النقل ولا يتبقى منها ما يعبر عنها. ثم تقوم الفكرة الممسوخة بالترجمة بإحداث عدم التوازن لأنها دخيلة وغير مفهومة.

والحل هو التفكير في الموضوعات باللغة الأصلية. قد تكون ترجمة الفكرة مفيدة أحيانًا لكن التوقف عند نقطة الترجمة لا يؤدي للتطور. فالتوقع إن مشكلات المجتمع المصري يمكن حلها عن طريق استيراد الأفكار توقع يجانبه الكثير من الصواب. في حين أنه يمكن إيجاد حلول لكل ما نظنه مشاكل مجتمعنا إذا فكرنا "بالمصري".