منذ فترة جاءني تعليق على أحد المقالات، أنه رغم أن المقال "جميل" إلا إنه يشوه مفهوم الزواج والمحطات الطبيعية في العلاقة بين الرجل والمرأة!

استغربت التعليق لأن المقال لم يكن عن الزواج. لكن ما أثار انتباهي في التعليق هو مفهوم المحطات الطبيعية في العلاقة بين الرجل والمرأة.

هل هناك ما يمكن أن نُطلق عليه "العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة"؟ وهل هناك محطات تميز تلك العلاقة؟

في البدء يجب البحث في معنى كلمة "طبيعي". وهو اسم منسوب إلى طبيعة، مثال: بالحديقة مناظر طبيعيّة خلاّبة، ووَفَاةٌ طَبِيعِيَّةٌ: وَفَاةٌ لَمْ تَحْدُثْ بِسَبَبِ عَارِضٍ أَوْ حَادِثٍ.

أي العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة هي العلاقة الخِلقية الفطرية التي لم يتدخل فيها اصطناع. يبدو التعريف كوصف الماء بعد الجهد بالماء. تعريف لا يشبع فضول. ولا يفسر توقعات. ولا يوضح "محطات". فالعلاقة الخِلقية الفطرية قد تأخد أي صورة. أب وابنة، أم وابن، أخ وأخت، زوج وزوجة، أو حتى علاقة غريزية بدائية بين ذكر وأنثى. كلها علاقات فطرية خِلقية طبيعية.

لكن كلمة "طبيعي" قد تستخدم في بعض الأحيان في وصف ما هو عادي. و"عادي" هو اسم منسوب إلى عادة أي ما هو مألوف، ومعهود، وغير متجاوز مستوى عامّة النَّاس.

ورغم اختلاف المعنيين إلا إنهم يستخدما بالترادف مما يؤدي لخلط المفاهيم. وخلط مفهوم "الطبيعي" مع مفهوم "العادي" يؤدي إلى النظر للعلاقات غير المألوفة لعامة الناس على أنها علاقات شاذة، ومصطنعة، ومشوهة.

يتوقع "عامة الناس" أن العلاقة "الطبيعية" بين "رجل وامرأة" هي العلاقة التي تؤدي للزواج. والمحطات المتوقعة للوصول لهذه النهاية هي نظرة فابتسامة، فموعد فلقاء، فاتفاق، فشبكة ومهر وزواج، فتبات ونبات ونسل من صبيان وبنات إلى أن يزورهم هادم اللذات ومفرق الجماعات.

هذا التوقع وعلى الرغم من انتشاره على إنه "طبيعي" إلا إنه غير واقعي. فالعلاقات في الواقع تأخذ أشكالا عدة وقد لا تبدأ بنظرة وابتسامة وقد لا تؤدي أبدًا إلى زواج. وقد تقوم العلاقات على تفاهم كما قد تقوم على صراع. وقد يلعب فيها الرجل دور القائد كما تقود المرأة الكثير من العلاقات. والأهم أنهم قد يتشاركان القيادة. لا يوجد أدوار "طبيعية" محددة مسبقًا ولا محطات متوقعة ولا نهايات مرصودة. يُوجد توقعات مبنية على اعتياد. والعادة مرتبطة بالعرف وهو متغير باختلاف الزمان والمكان.

فالعلاقة "الطبيعية" في زمان ومكان قد تكون علاقة غريزية بدائية. وفي زمان ومكان آخر تكون زواج. وفي أزمنة وأمكنة أخرى قد تكون حب ومشاركة. وتبعًا لكل عادة وعرف و"طبيعة" تختلف النظرة لما يسميه البعض "محطات العلاقة".

لكن الأهم من اختلاف العرف والعادة وتعريف "الطبيعي" باختلاف الزمان والمكان حقيقة إن الخروج عن العرف ليس "شذوذًا". فالغرض من العلاقات الإنسانية جميعًا ليس الالتزام بعرف أو إرضاء جماعة ما. الهدف منها نفسي شخصي. فمادام الشخص في علاقة ترضيه، فالعلاقة "طبيعية" حتى وإن كانت شاذة ومشوهة وغير "عادية".