ظهرت الحاجة للزواج قبل ظهور الحاجة لتدوين التاريخ كتابةً. احتاجت المجتمعات لنظام يضمن حفظ الأنساب ويُقنن انتقال الملكية والإرث. كان الزواج لتعضيد شبكات المصالح المادية والسياسية فكان من البديهي أن يكون "مرتبًا" ومبنيًا على حسابات العقل.

لكن دوام الحال من المحال، تطورت فكرة الزواج مع تطور المجتمعات. فتحول من علاقة تعددية الغرض منها حفظ الميراث وتوسيع النفوذ القبلي والتمكين الاجتماعي، إلى علاقة مبنية على الحب بين فردين.

بدأ تبلور هذه الفكرة في أوروبا في القرنين الـ17 والـ18 ورسخت في أغلب المجتمعات الغربية في القرنين الـ19 والـ20.

ومع تغير الأهداف من نُشُوء الزواج تغيرت الطرق المؤدية إليه، فاستبدلت هذه المجتمعات فكرة "الترتيب المسبق" والتوفيق التقليدي بنظام المواعدة، الذي يقوم على فكرة المقابلة بغرض التعارف الذي قد يتطور إلى حب وزواج. وهو نظام قائم على تراكم الخبرة الشخصية من أجل تمكين الفرد من اختيار من يلائمه لمشاركته حياته. على عكس الزواج المرتب تقليديًا الذي كان يتم فيه الاختيار عن طريق العائلات.

استمرت فكرة الزواج التقليدي في مجتمعات كثيرة. مثل مجتمعات شرق وجنوب شرق آسيا وأجزاء كبيرة من إفريقيا وبالطبع الوطن العربي وقلبه النابض مصر المحروسة.

يرجع استمرار الفكرة في مصر لعدة أسباب، أولها عدم انتشار القبول لفكرة المواعدة. يلعب مفهوما العيب والحرام دور البطولة في العلاقات بين الرجل والمرأة في المجتمع المصري، والمواعدة بالنسبة للكثيرين عيب وحرام. حتى وإن تجاوز البعض عن العيب والحرام تواجه المواعدة تحدي رسوخ فكرة "وجوبية الزواج". يظن الكثيرون أن كل موعد غرامي يؤدي إلى الزواج. على عكس الهدف الأساسي من منظومة المواعدة، وهو التعارف واكتساب خبرة للحكم على ملائمة الشريك.

فالتعارف قد يؤدي إلى إعجاب أو قد لا يؤدي، والإعجاب قد يؤدي إلى الحب أو لا يؤدي والحب قد يؤدي إلى الزواج أو لا يؤدي لكن التجربة تؤدي إلى الخبرة. ويفترض أن الخبرة تؤدي إلى النجاح.

ويأتي النجاح السبب الأهم في استمرار فكرة الزواج التقليدي في مصر. يروج مؤيدوه أنه الأكثر نجاحًا ويدللون على هذا النجاح بالاستمرار. ويرجعونه لفكرة أنه زواج يُبنى على حسابات العقل. لكن النظرة الفاحصة قد تُظهر لنا بعده كل البعد عن حسابات العقل كما تبتعد الاستمرارية عن تقييم النجاح.

اكتسب الزواج التقليدي في مصر اسم زواج الصالونات من مسرح عمليات الحدث، صالون بيت العروس.

يلعب الصالون دور البطولة، فجرى العرف على تزيينه وتزيين العروس لاستقبال جمع من الغرباء المتزينين. في الصالون، ووسط أجواءٍ من البهجة المُصطنعة وأحاديث الطقس والسياسة "يعاين" العريس العروس عله يجد فيها ما يدعوه لنكاحها. كما تقوم العروس بالمعاينة العكسية. ويقوم الأهل بمعاينات شبيهة. وبعد الانتهاء من زيارة المعاينة تنتظر العروس وأهلها رد العريس.

يعتبر البعض شكلية تقييم الصالون إعمالًا للعقل. في حين أن طقوس التزين والتصنُّع تنافي الحكم الرشيد. ناهيك عن أن هذه الشكلية ترسخ فكرة "البضاعة والزبون". ولكن حتى وإن قبلناها وتجاوزنا عنها يظل "القبول" شكليًا. لا علاقة له لا بعقل ولا عاطفة.

بعد مرحلة القبول أو الرفض الشكلي تنتقل العلاقة لمرحلة الصالون المتقدم، المعروفة باسم "الخطوبة". يروج أنصار الزواج التقليدي أن "الخطوبة" فترة تجربة، في حين أن بتجربة التجربة ثبت أنها استمرار لشكليات وتصنع الصالون.

خطوات محسوبة من أجل تجهيز المسكن والاستعداد للزفاف دون ترك هامش حقيقي للتعارف. في ظل "الخطوبة" يقيد هامش حرية التعارف لسببين الأول العيب والحرام والثاني التقليل من ظهور المشكلات. وإن ظهرت المشكلات يُعجل بالزواج لأن فيه "الحل".

لكن الزواج ليس حلًا، والتحايل على المشكلة يؤدي إلى تفاقمها. وتفاقم المشكلة يؤدي إلى التعاسة. وتحت شعار "التعاسة حال للجميع" يستمر التصنع من أجل الحفاظ على الاستمرارية ومن ثم على "شكلية" النجاح.

العيب إذن ليس في الزواج ولا الطريقة المؤدية إليه. العيب في التصنع وعدم وضوح الأهداف من العلاقة. فالزواج الناجح ليس الزواج المستمر. الزواج الناجح هو علاقة بين طرفين راغبين في العمل المستمر لتحقيق الأهداف التي قامت من أجلها العلاقة.

سواء تم التعارف تقليديًا حول أكواب الشاي والجاتوه أو كان الشاي والجاتوه تتويجًا لتعارف غير تلقيدي، المهم في الحالتين ألا يأتي مسمومًا بالتصنع.