كتب- ممدوح زيكا:

منذ زمن بعيد والكتابة فعل مؤثر وملهم ومخيف أحيانا؛ فالإنسان يتفاعل مع مخاوفه بشكل أكثر جدية، فهو يخشى الظلام والمسدسات والفقد وتغيير أفكاره أو التعبير عنها.. وإن واجه صعوبة في التعبير عنها، فهو في الغالب يفقد توازنه أمام من يفضح مشاعره وانفعالاته أو من يعبر عن عكسها بشكل واضح، فتجد أشدهم تمردا وانفعالا وتعبيرا عن مواقفه، التي ليست بالضرورة أن تكون صحيحة، أكثرهم عداء مع الأشخاص المحافظين دائما على محتواهم التاريخي من الدين والأخلاق المجتمعية والمشاعر الإنسانية.

لك أن تتخيل أن أكثر من يشترك في هذا الفعل هم الكتاب والسياسيين، وربما بعض الرياضيين أيضا من آن لآخر، خصوصا الكتاب لأنهم في القرن الأخير، ربما تعرضوا بشكل كامل ومباشر للسجن والمنع، بل والقتل أحيانا ومحاولة القتل أحيانا أخرى.. إليك مجموعة من الكتاب المصريين وغير المصريين المعاصرين الذين أثير حولهم بعض الجدل، بخصوص أعمالهم أو آرائهم الشخصية المتعلقة بأعمالهم أو بأي شيء آخر، والقائمة تطول دائما.

1- السير سلمان رشدي- بريطانيا/ الهند:
بعد روايته الأكثر إثارة للجدل "آيات شيطانية" عام 1988، والتي رأى كثيرون أن بها ما قد يعتبره البعض إساءة للديانة الإسلامية وللرسول محمد في مجازات كبيرة سهلة ستدركها، ربما من الفصل الأول في الرواية، فضلا عن تحريكه للماء الراكد، بخصوص حديث ما مختلف على مصادره وصوابه من عدمه عن سجود النبي بالمشركين.

كل هذا وأكثر في روايته، التي استفزت مشاعر المسلمين حول العالم، والذين كان وضعهم السياسي والاجتماعي في الثمانينيات أيضا مثيرا للجدل، كان سببا مباشرا في إصدار آية الله الخميني فتوى بإهدار دم الكاتب، الأمر الذي أقرته ووافقت عليه العديد من الجهات والحركات الإسلامية حول العالم، ثم تبعه ذلك بمحاولة اغتياله من قبل حزب الله، وكثير من التهديدات التي جعلته يعيش في العديد من بيوت أصدقائه في سرية تامة لسنوات طويلة.

يدعي البعض أن سلمان كان نكرة قبل آياته الشيطانية، ولكن في الحقيقة هذا غير واقعي فسلمان له رواية أخرى شهيرة، نشرت قبل ذلك بسنوات تحت اسم "أطفال منتصف الليل" 1980، وهي الرواية الأفضل والتي حاز عنها جائزة الكتاب البريطانية بعد صدورها بعام.

فيلم وثائقي عن سلمان وعن الأزمة:


سلمان يقرأ جزءً من روايته:

2- علاء حامد- مصر:
صاحب "مسافة في عقل رجل- محاكمة الإله"، التي رأى فيها المجتمع المصري، بل ومثقفي مصر وقتها، وعلى رأسهم أحمد بهجت الذي أثار القضية بشكل كبير، الأسباب التي غالبا ما تتلخص في التطاول على الأديان، وذلك في نفس توقيت أزمة سلمان رشدي، لدرجة أنه اشتهرت قضيته بعنوان "سلمان رشدي المصري"، وتداولت الصحف طلب الأزهر محاكمة الرجل على روايته، وتم سجنه إلى جانب سحب نسخ الرواية من الأسواق، وأقر عمر عبد الرحمن وقتها فتوى بإهدار دمه.

لم تتوقف قصته عند هذا الحد، وإنما اتهم الروائي السلفيين في قريته بعد ثورة الـ25 يناير بشهور قليلة، ومع تزايد شوكة الإسلاميين وقتها بهدم سور فيلته وحرق منزله، بينما رد أهالي القرية بأن أصل الخلاف، ربما يكون بسبب مجرى مائي ما أمام منزل علاء حامد حاول ضمه لملكيته الخاصة.

3- إيزابيل أليندي- تشيلي:
"ليس كل مكان خارج شيلي منفى"، "الخوف والاحساس بعدم الأمان رافقاني طوال حياتي"، "أنا مهاجرة ولست منفية"، هكذا قالت سليلة عائلة أندي في حوار تليفزيوني عام 2013، الروائية التي تم نفيها إلى فنزويلا وقضت بها 13 عاما بعد انقلاب عسكري على حاكم تشيلي في بداية السبعينيات، عمها سلفادور أليندي.

حين ذاك اعتبرها الانقلابيين بسبب قرابتها له من أعداء النظام الجديد، الأمر الذي أسس لاستمرار رحلاتها التي اشتملت على: بوليفيا، ولبنان، وتشيلي، وفنزويلا، وغيرها بالطبع، وعلى رأسها أمريكا التي حملت جنسيتها، والتي تعيش بها حتى الآن رافضة العودة لوطنها، وتعتبر روايتها الأولى "بيت الأرواح" في مطلع الثمانينيات أهم رواياتها على الإطلاق، والتي حصلت بسببها على العديد من الجوائز.

حوار تليفزيوني مع إيزابيل:

4 – كرم صابر- مصر:
ُحُكم على الروائي والحقوقي كرم صابر، بالسجن منذ شهور قليلة، بتهمة ازدراء الأديان بإذعان من مؤسسة الأزهر، ويختلف البعض حول حقيقة سجن كرم صابر بين من يعتقد أنه بسبب تجاوزات في حق الأديان والذات الإلهية في مجموعته القصصية "أين الله؟"، وكون الحكم هو سياسي بسبب نشاط كرم صابر كمحامي حقوقي.

يقول كرم في أحد لقاءاته "لا أعرف هل يجب أن أقول للقاضي أن يحاسبني أنا أم يحاسب أبطال قصصي فليأتي بهم وليحاسبهم إن أراد أنا مجرد راوي".

5 – أورهان باموق- تركيا:
مشكلة أورهان باموق الحائز على جائزة نوبل، سليل العائلة التركية المسلمة السنية البرجوازية في تركيا ليست في تجاوزه أو حتى اقترابه من الأزمات العقائدية المعتادة للروائيين، وإنما في تصريحاته التي تنم عن شخص لا يهتم بردود أفعال الناس عما يقول.

سواء بسبب تصريحاته عن أسرته عندما صرح ذات مرة أنه "ملحد من عائلة ملحدة"، الأمر الذي أنكرته عليه والدته قائلة: "فليتحدث عن نفسه"، أو لما نصحته أمه ذات مرة بألا يتحدث عن العائلة، وألا يكتب عن أشخاص حقيقيون من حوله، فكانت روايته "اسمي أحمر" التي تحتوي على تناص كبير بين أسماء عائلته وأسماء العائلة في الرواية.

أو بسبب تصريحاته عن قتل الكرد والأرمن، الأمر الذي جعله عرضة لملاحقات قضائية بتهمة إهانة تركيا، وأيضا في دفاعه عن سلمان رشدي تارة وسخريته الواضحة من أردوغان وأوباما رغم إعجابه بمؤلفه عن سيرته الذاتية تارة أخرى.

لقاء أدبي مع أورهان باموق بجامعة كاليفورنيا:



المنع، الحبس، التهديد بالقتل، القتل، هي أسلحة المجتمعات المنغلقة والحكومات الآيلة للسقوط دائما، في مواجهة الأفكار وكتابها، الأمر الذي بدأ منذ الأزل ولم يزل قائما حتى هذه القائمة التي لا تتسع ربما لمزيد من الكتّاب والكتابات، لكن على الرغم من وجود أمثلة حية أخرى مثل: نوال السعداوي، وحامد عبد الصمد، ودان براون، وغيرهم من الروائيين المعاصرين الذين قد يحب القارئ معرفة حكاياتهم إلا أن غيرهم أيضا من الكتاب قد مروا بموجات شديدة من التكفير أو الملاحقات الأمنية والتضييقات بسبب كتبهم وآرائهم.. وليس فقط الروائيين.