حبيبتي

أكتب إليكِ وأنتِ فكرة قد لا تتحقق أبدًا. فلسبب ما أواجه بصورة شبه يومية بسؤالٍ عنك. "كيف ستربين ابنتك؟" السؤال في أغلبه استنكاري، يريد به سائله تحويل دفة نقاش ما لصالحه. يظن السائل أن بإمكانه دفعي لإنكار فكرة آمنت بها وطرحتها للنقاش بمجرد أن يسأل إذا كنتُ أقبل أن أربي ابنتي على مثل تلك الأفكار!

دعيني قبل أن أقصُ عليكِ تلك الأفكار التي يُنكرها عليّ البعض، ويستخدمونك كسلاح لإرهابي للتراجع عنها أُعرفكِ بنفسي الآن. فالإنسان، يا حبيبتي كائن متغير. فأنا الآن لا أشبهني البارحة ولن أشبهني غدًا.

أكتب إليكِ رسالتي هذه وأنا على أعتاب الخامسة والثلاثين ولم أقابل أباكِ بعد، ولذلك أنتِ مجرد فكرة قد لا ترى النور أبدًا.

لن أدعي أنني واسعة الحيلة أو أنني أمتلك خلاصة الحكمة. فأنا فقط لدي القليل من الخبرات في الحياة كأنثى في "مفرخة الإرهاب" المعروفة اصطلاحًا بالشرق الأوسط.

سُك الاسم إبّان الاستعمار ورغم اختلاف مناطق شموله الجغرافية، إلا إنه في الأغلب يشمل مناطق شاسعة من التي يسكنها العرب المسلمون. وأنتِ يا عزيزتي كأبويك، ولدتي مصرية عربية مسلمة "شرق أوسطية".

يعرضك هذا المزيج ابتداءً لأخطار مختلفة من الإرهاب. تبدأ بإرهاب السيارات المفخخة وتنتهي بإرهاب الأفكار. لكن أيًا كان شكل الإرهاب فطريقك الوحيد للقضاء عليه هو مواجهته بحسم!

سيرهبك البعض باسم الأخلاق، كما سيرهبك آخرون باسم الحرية. في الحالتين لا تخضعي لتهديد أو إرهاب. فالحياة قد تكون قصيرة جدًا أو طويلة جدًا لكنها في كلا الحالين حياة واحدة ولا يجب إهدارها لا في خوف ولا في أنصاف حلول.

ولا تنسي أبدًا ألا تعارض بين الأخلاق والحرية. الحرية لا تعني ألا نعيش بلا نظام قيمي. والأخلاق لا تعني أبدًا أن نُقيد أنفسنا بأوهامنا أو بتراثٍ بالٍ. لقد خُلقتِ لزمانٍ لن أعيشه. كما خُلقت لزمانٍ لم تعشه أمي.

إياكِ واليقين! فلا يوجد في هذه الحياة يقينًا إلا الموت، وكل ما دونه نسبي. لكن نسبية الحياة لا تعني ازدواجية المواقف. فلا تقولي ما لا تؤمنين به ولا تفعلي غير ما ترينه صحيحًا.

"كوني نفسك" أو في أسوأ الأحوال حاولي بأقصى ما تستطيعين. كوني صاحبة القرار في أفكارك. استخدمي عقلك وعاطفتك لتقييمها. لا تكوني نسخة ممسوخة من نسخ أخرى أكثر مسخًا. ولا تتبعي إلا ما يرتضيه قلبك وعقلك. فإن رفض أحدهما قرارك فعليك بالتأني وإعادة التقدير.

وإن ثبت يومًا خطأ رأيك أو عدم صحة موقفك فلا تترددي في التراجع والاعتذار. فالرجوع إلى الحق فضيلة مقدمة على كل الفضائل.

أما إن سألك أحدهم يومًا كيف ستربين ابنتك، فلتكن إجابتك قول الإمام علي بن أبي طالب (لا تقصروا أولادكم على آدابكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم). وأن كل ما عليكِ، وعلى غيركِ من الآباء والأمهات، هو الإرشاد إلى كيفية اتخاذ القرار السليم.

فالدنيا يا حبيبتي مثل بحر مفتوح مليء بالأمواج والعواصف وأسماك القرش. سيكون عليكِ يومًا أن تلقي في هذا البحر بفلذات أكبادك دون عينيك الراعية. فعليكِ إذن أن تحتاطي بتعليمهم أصول السباحة وطرق التعامل مع أخطار هذا البحر المختلفة. فإن لم ننجح غرقوا وذهبوا كما ذهب غيرهم طي النسيان.

وفي الختام خير الكلام: ( وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ... ).