كتبت- غادة قدري:

بين ريتا وعيوني ... بندقية/ والذي يعرف ريتا، ينحني/ ويصلي/ لإله في العيون العسلية /مثلما يذكر عصفورٌ غديره/ آه ... ريتا/ بيننا مليون عصفور وصورة/ ومواعيد كثيرة/ أطلقت نارا عليها .. بندقية.

هذه كانت كلمات الراحل محمود درويش يئن فيها وجعا عندما تفرق عن حبيبته اليهودية ريتا، فالإنسانية لا تتجزأ، هكذا كان مبدأ درويش الذي ناضل بسهام الكلمة من أجل فلسطين، فالحب لا دين له ولا جنسية، والإنسانية لا تنميط لها ولا تقسيم.

وفي وقت تطالعنا فيه كل يوم تلك الصور في غزة، وحرب لا مبرر لها، دفع فاتورتها من زج بهم فيها عنوة لينفذوا أوامر الساسة دون حسابات للعلاقات الإنسانية والهوية البشرية، جاءت رواية "الاستثناء الجميل" للروائية الفلسطينية سلام عيدة لتؤكد انتصارها للإنسان والحب والسلام والعيش في أرض الله التي لم يخصها لقومية أو شعوبا مختارة دون أخرى.

"الاستثناء الجميل" الرواية الأولى لسلّام، وكتبت في مقدمتها أن بداية القصة كان منشورا عبر "فيسبوك" حول مسعف فلسطيني ينقذ فتاة يهودية من الموت، والذي انهالت التعليقات عليه حتى تعرفت على شاب حكى لها قصة كانت ملهمتها لكتابة الرواية.

الكاتبة استخدمت ضمير الراوي في السرد، وبدأت أول مشهد بين كاتبة تلتقي كاتبا معروفا ويتفقا على مشروع أدبي مشترك ثم تبدأ الكاتبة الناشئة في عرض أفكارها حول الرواية لصديقها الأديب الذي يسدي لها النصائح بانتظام حول تقنيات وأساليب الكتابة.

سلّام عيدة أجادت المزج والانتقال بين مشاهد الرواية فكانت رواية تكتب داخل رواية وهناك كاتبة تعلق كتابتها انتظارا لمشورة صديقها الأديب لكي تقدم إليه تسؤلاتها الوجودية حول الإنسانية والهوية والأرض والوطن، كأن المؤلفة أسقطت أو استبدلت الضمير والوعي بهذا الأديب لكي تبرر تسؤلاتها التي لم تكن تجد لها إجابة حتى هو نفسه لم يقدم لها حلولا تفك أحاجي معادلات العلاقات الشائكة تلك الخيوط الدقيقة التي تفصل بين الإنسانية والوحشية والإزدواجية التي تعانيها النفس الإنسانية.

أرض الميعاد

تعرض الأديبة الفلسطينية من خلال روايتها لإشكالية الطبقات الاجتماعية التي يعاني منها اليهود المهاجرين إلى أرض الميعاد، من خلال قصة "راشيل" الفتاة الروسية اليهودية لأم مسيحية تهاجر إلى إسرائيل لكي تحقق أحلامها بعد وصول أرض الميعاد، لكنها تفاجئ بتجنيدها في أعمال الدعارة، ثم تجنيدها للإيقاع بالشباب العربي من خلال علاقات جنسية عبر الإنترنت من أجل جلبهم إلى إسرائيل، وتدور أحداث الرواية حول الصراع النفسي الذي تعانيه "راشيل" ما بين قناعتها بأنها تؤدي دورا وطنيا وبين رفضها الداخلي لخديعة الشباب بطريقة رخيصة.

الأمر الأكثر سوءا في ما يعترض "راشيل" هو اكتشافها أنها منبوذة بسبب ملامحها الروسية التي فضحت أصولها رغم أنها يهودية، لكن هناك اليهود القادمين من الولايات المتحدة الأمريكية وهم في الطبقات الأكثر تقديرا داخل إسرائيل، وهناك شخصيات تلتقي راشيل في الحياة وعبر "فيسبوك" وكل منهم له حياة موازية أيضا يعيشها وتتشابك العلاقات بشكل أو بآخر.

فهذا جاك الجندي الإسرائيلي الذي تعود أصوله إلى وطنه الأول أمريكا، ويقع في حب راشيل يقدم مساعدات لمرضى السرطان العرب المسلمين والمسيحيين واليهود بكل صدق ومحبة، وفي نفس الوقت يتنافس مع أصدقاءه على حصد أكبر عدد من الرؤوس في أحد الحروب التي تشنها قوات الاحتلال على قطاع غزة.

لدى الجندي جاك أحد أبطال القصة الأساسيين، حكاية أخرى ضمنتها الكاتبة كأنها قصة هامشية، لكن يمكن اعتبارها القصة الأكثر بروزا وقوة رغم مساحتها الصغيرة في سياق الرواية، لأنها قصة حقيقية مزجتها الكاتبة ضمن وقائع خيالية.

الحب المستحيل

قصة "هو وهي"، هكذا اختارت عيدة أسماءهم ولم تحددها، "هي" شقيقة جاك اليهودية التي تقع في حب "هو" عربي مسلم من الوافدين للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم تقابل برفض عائلتها حتى شقيقها جاك الذي يعترض قصة الحب الكبيرة بينهما، فيقرر حبيبها اصطحابها لرحلة احتفالا بعيد ميلادها، واثناء الرحلة تسقط بهما السيارة في الوادي فتلقى الحبيبة حتفها ويتلقى "هو" الاتهامات بقتلها لأنه "سعودي" وإرهابي بنظرة المجتمع الأمريكي واليهود.

راشيل مرة أخرى

تتحدث راشيل مع "آنا" يهودية أخرى تعيش في أمريكا عبر الإنترنت وتنصحها بالولاء والعودة إلى إسرائيل والعمل لمحاربة إرهاب العرب والمسلمين والطغيان الذي لحق باليهود، والإيمان بالأرض التي أنقذت اليهود من ظلم الهوليكوست، وتجيبها "آنا" التي تحب شابا مصريا عبر الإنترنت، بأنه بينما تذوق اليهودي طعم الظلم في المحرقة "الهوليكوست" فلماذا يتحول اليهود من مظلومين إلى ظالمين؟

تستمر الأحداث في التصاعد، وبين مشهد وآخر تقطع الكاتبة الرواية بفاصل تقدم فيه تساؤلاتها المؤلمة والمتافيزيقية دون جواب شافي، حتى تقرر الاستمرار في اللعب بالشخصيات، فها هي "آنا" تقرر لقاء حبيبها المصري في القاهرة بعد أن يعدها بالزواج ثم تكتشف بأنه يريد الارتباط بها كجسر للسفر والحصول على الجنسية الأمريكية فتتركه، ولم تنس الكاتبة أن تتخلل المشاهد عبور "آنا" في مظاهرات ميدان "رابعة العدوية" المؤيدة للرئيس السابق مرسي مظهرة تعاطفها معهم، دون فهم لحقيقة ما يجري على الساحة السياسية في مصر وقتها.

نهاية للقارئ

اختارت عيدة أن تجعل نهاية روايتها بلا موقف حاسم واعتبرت وضع النهايات هو من الجور على القارئ، وأنه من الديمقراطية بين الكاتب والقارئ أن يشركهم في وضع نهاية ترضي توقعاتهم بعد أن شاركوا الكاتب خياله بجهد القراءة.